السبت, 16 مايو 2026

لم يعد الذباب الإلكتروني مجرد جيوش حسابات مجهولة تهاجم الخصوم وتضخ الإشاعات وتوزع الشتائم على الناس بلا أسماء ولا وجوه. لقد تطور هذا الكائن الرقمي بسرعة مذهلة غير متوقعة، وبدّل جلده أكثر من مرة، حتى وصل إلى النسخة الرقمية الأخطر والأحدث:الذباب الإلكتروني المقدّس.

وهو ذباب معلوم، يجيء من المدنَّس، ولم يعد يعمل من وراء الأقنعة فقط، بل قد يظهر باسمه الحقيقي، وصفته المهنية، وصورته الواضحة، ويتحدث بلغة أخلاقية أو وطنية أو دينية، بينما يؤدي الوظيفة القديمة نفسها: التحريض، التشهير، نزع الإنسانية، التنمّر، واغتيال الآخر الذي لايوافقه، وتحويل فئة اجتماعية إلى هدف مشروع.

وفي الحالة السورية الراهنة، بدأ هذا النمط يظهر بصورة أكثر وضوحاً في التحريض ضد الفلسطينيين في سوريا، عبر استخدام لغة شعبوية تستثمر كيدها في الجروح العامة، وتبحث عن كبش فداء جاهز لتبرير العجز عن مواجهة مشاكل البطالة والجوع والصحة وارتفاع الأسعار التي تعصف بالبلاد، وتعيد إنتاج أكثر الخطابات ، انحطاطًا تحت شعارات جديدة ، في ظل التحولات الدراماتيكية المتسارعة التي تشهدها سوريا حالياً.

من نقد الأفراد إلى شيطنة الجماعات

من حق أي مجتمع أن يناقش أداء أي صحفي، أو يختلف مع ناشط على منصات التواصل الاجتماعي، أو ينتقد موقفاً سياسياً وخاصة في ظل انتشار المنصات الرقمية المختلفة الرسمية وغير الرسمية. هذا جزء طبيعي من الحياة العامة، ومن الحراك السلمي الذي يفترض أن يفضي نحو ممارسات صحية هدفها النقد والبناء والكشف عن الظواهر السلبية بهدف تصحيحها. لكن الخطر يبدأ حين يجري الانتقال من نقد فرد، كحالة،إلى وصم جماعة كاملة. حين يصبح شخص ما موضع خلاف، فيُقال عنه: لأنه فلسطيني. وحين تتحول الهوية إلى شتيمة لمجرد كتابتها أو نطقها بالتلاعب بها كتابياً وسماعياً، كأن يُطرح السؤال: ما دخل الفلسطيني في الكلام بالشأن السوري؟ وحين يُستخدم الانتماء القومي أو صفة اللجوء كأداة لانتقاص من يحملها بتدنيسه كفرد ينتمي لجماعة، هنا لا نكون أمام نقد، بل أمام تحريض منظم ومفلتر ضد فئة كاملة، والهدف معروف، فالحالة الإقليمية والدولية غير مؤاتية لتنفيذ بعض المشاريع، فمامن غضاضة أن تصبح الحالة الفلسطينية هي الدريئة التالية التي يمكن التعويض من خلالها عن هذا النقص، ويجيء الانغماس الجديد في الدور الذي مورس عملياً وتاريخياً على الفلسطينيين في حلهم وترحالهم في محيطهم العربي بمثابة تقديم أوراق الاعتماد التي باتت معروفة لدى القاصي والداني، وهذا أمر مكشوف، كما هو حال الذباب الإلكتروني الذي نال (قداسته) من قدراته على الكتابة باسمه الحقيقي، ولكنه ظل يحمل المؤشر الغلاسيمي ذاته لذلك الذباب الإلكتروني الدنس، الذي كان يقبع في العتمة ويكتب دون رادع أو رقيب.

الفلسطيني في سوريا… من شريك تاريخي إلى ضحية خطاب فاشي متجدد

الفلسطينيون في سوريا ليسوا طارئين على التاريخ السوري، ولا جالية عابرة هبطت بالأمس أفواجاً من السماء، وهم أولى بالأرض السورية، من الأسترالي، والأوزبكي، والايغوري الخ. هم جزء من نسيج اجتماعي سوري كبير تشكّل عبر عقود طويلة، وقد عاشوا في المدن والمخيمات، درسوا وعملوا وتزوجوا وتناسلوا وشاركوا في تفاصيل الحياة اليومية، وآمنوا بسوريا الأم، أم السوريين جميعاً، التي ليس فيها غالب أو مغلوب، وإلا حينها قد تتحول البلاد بأسرها إلى غنيمة في أيدي من يسمون أنفسهم بالأغلبية.

وفي سنوات الثورة والحرب والتهجير والبلاء، دفع الفلسطينيون أثماناً باهظة: حصاراً، قصفاً، تهجيراً، اعتقالاً، ومجازر، تماماً كما دفع السوريون من مختلف مناطقهم وانتماءاتهم الأثمان الباهظة، لذلك فإن تحويل الفلسطيني اليوم إلى جماعة مبهمة ومتهمة، أو مجرد ضيف ثقيل الظل غير مرغوب فيه، أو مجرد شخص عابر غير مقيم لا حق له في الكلام، ليس فقط ظلماً أخلاقياً، بل تزوير للذاكرة المشتركة، وعمل منظم غير بريء يقصد من خلال شيطنته ومطاردته بغية تحويله إلى الجثة التالية.

لماذا الفلسطيني هدف سهل؟

لأن خطاب الكراهية يبحث دائماً عن الحلقة الأضعف، فهو لاجئ لا يملك حماية دولة كاملة، وهو صاحب هوية يمكن تحميلها تناقضات التاريخ وأزماته، وكل مشاكل وهموم الدنيا. والفلسطيني ينتمي عملياً منذ جرح النكبة إلى جماعة موزعة، منهكة، مشتتة ويصعب عليها الرد الموحد. والفلسطيني فوق كل ذلك يملك حضوراً رمزياً يسمح للبعض باستخدامه في المزايدات، والمتاجرات الرخيصة التي تفنن بها النظام الرسمي العربي حين كان يستخدم ورقته في تحسين أوراقه التفاوضية، وقبض الأثمان البخسة على حسابه، ولهذا يصبح الفلسطيني هدفًا مثالياً اليوم للذباب الإلكتروني: لا يحتاج الأمر إلا إلى كلمة ساخرة، أو نبرة ازدراء، أو تعميم سريع، أو تنمر من شخص مثل سليمان عبد المولى ليتحول جمهور فيروسي غاضب ومحبط ومدوّخ إلى آلة تصفيق.

الذباب المقدّس: كيف يعمل؟

هذا النوع لا يقول صراحة: نكره الفلسطينيين، وإنما نحن فقط نرفض تدخل الغرباء في شؤننا كسوريين. ونحن ندافع عن السوريين (……)، في الوقت الذي يعاني فيه سوريون في بلداتهم ومدنهم وقراهم، وهؤلاء عادة ماتكون شعاراتهم أسطوانة مشروخة عن السيادة، فيما يشاع أنهم سيردعون المتجاوزين، ثم ينتهي الأمر بالتسلل نحو النتيجة ذاتها: التحريض على جماعة كاملة. وهذا النوع تراه يستبدل الكراهية المباشرة بلغة“مشروعة”، ويستعير قاموس الوطنية كي يمرر العنصرية، والمفارقة الكبرى أن بعض من يمارسون هذا الخطاب يرفعون شعارات الحرية والكرامة والثورة والعدالة. لكنهم حين يتعلّق الأمر بالفلسطيني، ينسون فجأة كل هذه القيم، ويعودون إلى منطق الدم والهوية الصغيرة والأصل والفصل. أي حرية هذه التي تستثني الضعفاء؟ وأي كرامة هذه التي تُسحب من اللاجئ؟ وأي ثورة هذه التي تكرر أدوات الإقصاء القديمة بوجوه جديدة؟ وأي.. وأي وأي؟!!

من يستفيد؟

التحريض ضد الفلسطينيين لا يخدم السوريين،وهم شعب كريم ومغرق في القدم والأصالة، ولا يحل أزمة اقتصادية، ولا يبني دولة قانون ولا يعيد معتقلاً، ولا يعمر بيتاً مدمراً. إنه يخدم فقط صنّاع الضجيج الرقمي، وقد نجحوا في الترويج لمنصتهم “سيريا شفت” التي تُموّل مع الأسف بأموال السوريين الذين في معظمهم لاناقة لهم ولاجمل في شيطنة الفلسطينيين.. وهم ذاتهم (صنَّاع الضجيج الرقمي) من يريدون تحويل الغضب الشعبي عن أسبابه الحقيقية.

ما المطلوب؟

المطلوب ليس حصانة لأحد من النقد، بل منع تحويل الهوية إلى سلاح. يمكن انتقاد أي صحفي أو ناشط أو سياسي، فلسطينياً كان أو سورياً، وهذا حقٌ وواجب، لكن على أساس ما قاله أو فعله، لا على أساس أصله وفصله، فاللاجئ ليس هدفاً مجانياً، أو دريئة مستعملة يُعاد استخدامها في الوقت الخاطئ حين يراد تمرير مالايمكن تمريره في الوقت السليم ذلك أن الكرامة لاتجزأ.. أما حين يبدأ الذباب الإلكتروني المقدّس، الذي قد يرى نفسه يقوم بفعل (الأخيار) في حسابات دنيئة خاصة به بالتحريض ضد الفلسطينيين في سوريا، فهو لا يسيء إلى الفلسطينيين وحدهم، بل يختبر أخلاق السوريين جميعاً . لأن المجتمع الذي يسمح اليوم بإهانة اللاجئ الفلسطيني، قد يكون هو ذاته مسؤولاً عن إهانة الأقليات الأخرى، أي المكوّنات السورية التي صيغت منها الفسيفساء السورية العظيمة عبر القرون. وقد يغدو نافلاً القول إن جحيم الكراهية لا يتوقّف عند حدود الضحية الأولى، ولاتنضب نيرانه بمجرد الاعتذار المفبرك السريع.. إنها تتدرّب عليها فقط، وهذا بات واضحاً، ولم يعد بحاجة لمنجّم، ونحن لسنا بحاجة لإعادة تعريف الذباب الإلكتروني المدنَّس هنا، فهو ذاته الذي يحمل قشرة المقدس ونوازعه في أحشائه المدمرة، حتى أنه لايمكن الفصل بينهما، كما جرت العادة في المسائل الدنيوية الأخرى..

اترك تعليقاً

Exit mobile version