ثمة آلامٌ تأتي واضحةً كصفعةٍ على الجلد، يمكن الإشارة إليها بإصبعٍ مرتجف، ويمكن وصف مكانها، وتحديد بدايتها، وانتظار نهايتها. وثمة آلام أخرى لا شكل لها، لا لون، ولا موضع ثابت. آلامٌ تسكن الروح كما يسكن الضباب مدينةً كاملة دون أن يراه أحد وهو يدخل. وحين يشتد النوع الثاني من الألم، يصبح الجسد — على قسوته — ملاذاً غريباً، كأن الوجع الملموس أرحم من ذلك الخراب الصامت الذي لا اسم له.
للبشر علاقةٌ غامضة مع الألم الجسدي، ينفرون منه، لكنهم في لحظات الانكسار قد يجدون فيه ملاذاً خفياً دون أن يدركوا ذلك تماماً. ليس لأن العذاب مرغوب، بل لأن وجع الجسد واضح المعالم، يمكن احتماله، ويمكن انتظار نهايته. أما الروح، حين يبتلعها الألم، فإنها تتسع كهاويةٍ بلا ضفاف، ويغدو الحزن فيها شيئاً لا يمكن الإمساك به أو الفرار منه.
حين يمرض الإنسان، ينشغل جسده كله بفكرة النجاة. تتغيّر أولويات العالم فجأة، يصبح النوم نعمة، والتنفس حدثاً يستحق الامتنان، ويغدو كوب الماء اكتشافاً صغيراً للسعادة. الألم الجسدي، مهما كان فادحاً، يملك ميزةً قاسية: إنه مباشر. أما ألم الروح فمراوغ، يتسلل في هيئة صمت، أو فتور، أو عزلة، أو فقدان رغبة في كل شيء. إنه لا يصرخ دائماً، بل قد يجلس داخلك بهدوءٍ قاتل حتى تظنه جزءاً من طبيعتك.
كم من إنسانٍ احتمى بالتعب من التفكير؟ وكم من قلبٍ مثقلٍ بالحزن وجد في الإرهاق الجسدي فسحةً مؤقتة للصمت؟ كأن الجسد، حين يصرخ، يجبر الروح على التراجع قليلاً إلى الخلف. وكأن الإنسان لا يستطيع الإصغاء إلى جميع أوجاعه دفعةً واحدة، فيختار عقله — بحكمةٍ غامضة — الألم الذي يمكن احتماله.
ليست المصادفة وحدها ما يجعل بعض الناس يفرطون في العمل حين ينكسرون من الداخل، أو يركضون لمسافات طويلة بعد خيبةٍ عاطفية، أو يبحثون عن الإنهاك كما لو أنه علاج. الجسد المتعب يمنح الروح هدنة. وحين تتورم العضلات، أو ترتجف اليدان من الإجهاد، تخف وطأة الأسئلة الوجودية قليلاً. يصبح الإنسان أكثر قرباً من الأرض، أقل غرقاً في متاهات المعنى.
إن الروح المتألمة لا تخشى الموت دائماً، بل تخشى الفراغ. تخشى ذلك الصمت الطويل الذي يكشف هشاشتها أمام نفسها. لذلك يهرب الإنسان أحياناً إلى أي شيء محسوس: إلى الألم، إلى الضجيج، إلى العمل، إلى العادات اليومية الصغيرة، فقط كي لا يسمع ارتطام وحدته بجدران قلبه.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الحزن ذاته، بل استحالة شرحه. فألم الجسد يمكن للطبيب أن يراه في صورةٍ شعاعية، ويمكن للمسكنات أن تخفف حدته، ويمكن للآخرين أن يتعاطفوا معه بسهولة. أما ألم الروح، فغالباً ما يبدو ترفاً في أعين العالم. لا أحد يرى التشققات الداخلية، ولا أحد يسمع الضوضاء التي تدور داخل صدرٍ يبتسم ظاهرياً.
آلام الجسد واضحة كجرحٍ مكشوف، تصرخ، فتجد من يلتفت إليها. أما الروح، فغالباً ما تتقن الانهيار في صمت، وتتعلم كيف تخفي هشاشتها خلف وجهٍ عابر وابتسامةٍ مؤجلة.
لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين يطول وجع الروح إلى الحد الذي يفقد فيه الإنسان قدرته على الشعور بأي شيء. هنا لا يعود الألم ناراً، بل يتحوّل إلى برودةٍ عميقة، إلى غياب داخلي، إلى أيامٍ متشابهة لا تحمل طعماً ولا دهشة. عندها قد يصبح ألم الجسد تذكيراً أخيراً بالحياة، علامةً على أن الإنسان ما زال قادراً على الإحساس، وما زال متصلاً بالعالم بطريقةٍ ما.
ربما لهذا بكى بعض البشر عند تعافيهم أكثر مما بكوا أثناء مرضهم. ففي المرض كان ثمة عدو واضح، معركة محددة، شيءٌ يمكن مقاومته. أما حين يشفى الجسد، تعود الروح إلى مواجهة نفسها بلا وسطاء.
إن الإنسان كائنٌ هش على نحوٍ مذهل. يحمل داخله قدرةً عظيمة على الاحتمال، لكنه ينهار أحياناً من كلمة، أو ذكرى، أو خيبة صغيرة. وقد يبدو ذلك تناقضاً، لكنه ليس كذلك. فالجسد صُمم لمقاومة العالم الخارجي، أما الروح فلم تُخلق إلا لتشعر. وكلما اتسعت قدرة الإنسان على الإحساس، اتسعت احتمالات ألمه.
ليس المقصود تمجيد الألم أو منح المعاناة هالةً رومانسية زائفة. فالألم، مهما تبدّلت صوره، يبقى عبئاً ثقيلاً على الإنسان، يترك أثره في الجسد والروح معاً. غير أن التأمل في العلاقة بين وجع الجسد ووجع الروح يكشف مقدار هشاشتنا الإنسانية، وحاجتنا المستمرة إلى ما يخفف عنا ثقل الداخل حين يعجز القلب عن الاحتمال.
أحياناً لا يبحث الإنسان عن السعادة بقدر ما يبحث عن صمتٍ مؤقت لأوجاعه. عن ليلةٍ ينام فيها دون أفكارٍ ثقيلة. عن لحظةٍ لا يشعر فيها بأن قلبه يحمل العالم كله وحده. وفي سبيل ذلك، قد يبدو الألم الجسدي — على قسوته — أقل فوضى من الحزن الذي لا يُرى.
يمكن النظر إلى تلك العبارة بوصفها اعترافاً إنسانياً عميقاً أكثر من كونها تمجيداً للألم:
طوبى لآلام الجسد، فقد تأتي قاسيةً، لكنها على قسوتها تُسكت ضجيج الروح حين يفيض، وتسرقنا من وجعٍ أعمق لا يُرى.
فالذي يفتك بالإنسان في الغالب ليس ما ينزف على سطحه، بل ذلك النزيف الصامت الذي يحدث في أعماقه ولا يراه أحد.
