السبت, 16 مايو 2026

هناك أفلام تُشاهد مرة ثم تُنسى، وهناك أفلام تتجاوز زمنها لتصبح جزءاً من الوعي الجمعي والذاكرة السياسية والثقافية للشعوب، وفيلم V for Vendettaينتمي بلا شك إلى الفئة الثانية. فمنذ صدوره عام 2006، لم يُنظر إليه بوصفه مجرد فيلم خيال علمي أو إثارة سياسية، بل كعمل سينمائي تحوّل إلى رمز عالمي للاحتجاج والتمرّد على السلطة، حتى صار قناع بطله المقنّع حاضراً في الشوارع والساحات أكثر مما هو حاضر على الشاشة.

أخرج الفيلم جيمس ماك تيغ، وكتب السيناريو الأخوان واتشوسكي، مقتبساً عن الرواية المصورة الشهيرة لألان مور وديفيد لويد. وقدّم بطولة لافتة لكل من ناتالي بورتمان وهوغو ويفينغ وويليام هيرت وستيفن ريا. غير أن ما منح الفيلم مكانته الاستثنائية لم يكن أسماء صنَّاعه فقط، بل قدرته على تحويل قصة سياسية معقَّدة إلى عمل جماهيري ممتع وعميق في آن واحد.

يستند الفيلم إلى خلفية تاريخية بريطانية شهيرة تتمثَّل في مؤامرة البارود عام 1605، حين حاول غاي فوكس ومجموعة من رفاقه تفجير البرلمان البريطاني واغتيال الملك جيمس الأول، قبل أن تُفشل المحاولة، ويُعدم المشاركون فيها. ومنذ ذلك الحين، يحيي البريطانيون ذكرى الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر كل عام عبر الألعاب النارية والاحتفالات الشعبية، فيما ظل اسم غاي فوكس موضع جدل: هل كان خائناً؟ إرهابياً؟ أم متمرداً سابقاً لعصره؟ الفيلم يعيد إحياء هذا السؤال، لكنه يطرحه داخل زمن جديد.

تدور الأحداث في بريطانيا مستقبلية تقع تحت حكم نظام شمولي يقوده المستشار آدم ساتلر، حيث تحوَّلت الدولة إلى سلطة بوليسية تراقب كل شيء وتخنق الحريات وتستند إلى الخوف والدعاية الإعلامية. تُقمع الفنون، وتُلاحق الأقليات، وتُصادر الحياة الخاصة للناس، حتى تبدو البلاد وكأنها معسكر كبير أكثر منها دولة حديثة. في هذا المناخ الكئيب تظهر الشابة إيفي هاموند، (لعبت دورها ناتالي بورتمان)، لتتعرَّض في إحدى الليالي لمضايقة رجال الشرطة السرّية قبل أن ينقذها رجل غامض يرتدي قناع غاي فوكس ويعرّف نفسه بحرف واحد فقط: V.

منذ تلك اللحظة يبدأ الفيلم في بناء عالمه الرمزي. فـ V ليس مجرد شخص يسعى للانتقام، بل فكرة تمشي على قدمين. هو رجل خرج من تجربة تعذيب وتجارب سرّيةمروّعة، ويحمل غضباً عارماً تجاه النظام الذي دمّر حياته. لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى أكثر من الثأر الشخصي، إذ يريد إيقاظ شعبٍ اعتاد الصمت، وتذكير الناس بأن الطغيان لا يعيش إلا بموافقة الخائفين عليه.

يُفجّر V مبنى القضاء البريطاني في مشهد افتتاحي صار من أشهر مشاهد السينما الحديثة، ثم يقتحم لاحقاً محطة التلفزيون الرسمية ليخاطب الشعب مباشرة. وفي خطابه الشهير، يحمّل الناس جزءاً من مسؤولية ما وصلوا إليه، لأن الخوف جعلهم يسلّمون حرياتهم مقابل وهم الأمان. ثم يطلب منهم أن يلتقوا بعد عام، في الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر، أمام البرلمان، حيث يعدهم بأن يشهدوا نهاية عصر كامل.

في البداية ترى إيفي أن الرجل المقنّع مجرد شخصية مشبعة بالكراهية والهوس بالانتقام، لكنها تكتشف تدريجياً أن تحت تلك الطبقة من الغضب توجد قضية أعمق: استعادة الكرامة الإنسانية، وكسر الحلقة التي تجعل الناس عبيداً للسلطة. ومن خلال رحلتها معه، تتحوّل هي أيضاً من فتاة خائفة تبحث فقط عن النجاة إلى إنسانة قادرة على مواجهة ذاتها ومخاوفها والعالم من حولها.

في موازاة ذلك، يتابع المفتش فينش التحقيق في سلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي ينفذها V، ليكتشف شيئاً فشيئاً الوجه الحقيقي للنظام الحاكم: تجارب بيولوجية سرّية، صناعة أزمات من أجل السيطرة، استخدام الإرهاب ذريعةً للاستبداد، وتوظيف الإعلام لإبقاء الناس تحت الرعب الدائم. وهنا يطرح الفيلم سؤاله الأخطر: من هو الإرهابي الحقيقي؟ الرجل الذي يهاجم النظام، أم النظام الذي صنع الخوف كي يحكم؟

من الناحية الفنية، شكّل أداء هوغو ويفينغ مفاجأة كبرى، إذ استطاع أن يقدّم شخصية آسرة من دون أن يظهر وجهه مطلقاً. اعتمد بالكامل على نبرة الصوت، والإيقاع اللغوي، وحركة الجسد، ليمنح القناع الجامد روحاً نابضة بالحياة. أما ناتالي بورتمان فقدّمت واحداً من أهم أدوارها، خاصة في مشاهد التحوّل النفسي والانكسار الداخلي، حيث حملت البعد الإنساني للفيلم على كتفيها بثقة كبيرة.

حين صدر الفيلم، اعتبره كثيرون نقداً مباشراً لسياسات ما بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر، بما في ذلك قوانين الطوارئ، المراقبة الأمنية، التعذيب، والمعتقلات السرّية. ورأى بعض النقّاد الأمريكيين أنه عمل معادٍ للسلطة الأمريكية، بينما اعتبره آخرون تحذيراً ذكياً من أي نظام يستخدم الخوف ذريعة لسلب الحقوق. وربما لهذا السبب أثار كل هذا الجدل، لأنه لم يكن يتحدَّث عن بريطانيا المتخيّلة فقط، بل عن العالم المعاصر بأسره.

لكن سر بقاء الفيلم حيّاً حتى اليوم لا يكمن في رسالته السياسية فقط، بل في قدرته على تحويل الفكرة إلى رمز بصري خالد. فقناع غاي فوكس خرج من الفيلم ليصبح شعاراً لحركات احتجاجية كثيرة حول العالم، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، ومن آسيا إلى العالم العربي. لقد تجاوز الفيلم حدود السينما، وصار جزءاً من اللغة البصرية للاعتراض الشعبي.

بعد كل هذه السنوات، ما يزال V for Vendettaفيلماً صالحاً للمشاهدة والتأمل، لأنه يطرح أسئلة لم تفقد راهنيتها: كيف يولد الاستبداد؟ لماذا يصمت الناس؟ هل يمكن لفرد واحد أن يهز منظومة كاملة؟ وهل تموت الأفكار حقاً إذا مات أصحابها؟ إنه فيلم عن قناع، نعم، لكنه في جوهره فيلم عن الوجه الحقيقي للحرية.

*(عن مادة تحليلية تتناول الرؤية السياسية والاجتماعية لفيلم V for Vendetta المقتبس عن الرواية المصورة لألان مور وديفيد لويد)

اترك تعليقاً

Exit mobile version