في مسرحية الكاتب الروسي غريغوري غورين “انسوا هيروسترات”، نُدعى -كقرَّاء ومشاهدين- لمواجهة الحقيقة العارية خلف واحدة من أشهر الجرائم الرمزية في التاريخ. هيروسترات، ذلك الاسم الذي ارتبط بحرق معبد “أرتميس” في مدينة ممفيس في القرن الرابع قبل الميلاد ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لا يبدو في نص غورين مجرد طالب شهرة ممسوس بالشر، بل يظهر ككائنٍ صُدم في “عدالة الآلهة”، فقرر أن يحرق العالم الذي يبارك الغش ليخلد اسمه، بالرغم من أن السلطات قررت أن تمسح هذا الاسم من الذاكرة الإنسانية التي تشرف عليها، وتمولها!.
لعبة الديوك: الرهان الخاسر
يسرد لنا هيروسترات في سياق النص اللامع حكاية “الديك المقاتل” الذي أطعمه هيروسترات الثوم حتى غدا ديكاً جباراً لا يُهزم، ونزل به إلى حلبة صراع الديكة، ليواجه ديك أحد المرابين. وفي منازلة حيَّة كاد ديك هيروسترات أن يفتك بخصمه، لكن المرابي، بمكرٍ لعين، كان يتوسل هيروسترات أن يمنحه مهلة ليقرأ صلواته وأدعيته على ديكه الهالك لامحالة. وبطيبة خاطر الواثق، كان هيروسترات يوافق.
تكرر الأمر مرَّة وثانية وثالثة، المرابي “يصلي”، والديك يعود للحلبة بروح قتالية جديدة، حتى خارت قوى ديك هيروسترات، وسقط قتيلاً ومضرجاً بدمه أمام ديك المرابي الذي بدا وكأنه نال “مدداً إلهياً”.
بصيرة الأعمى وسقوط اليقين
في تلك اللحظة، كاد هيروسترات أن يؤمن. كاد أن يصدق أن هناك “آلهة” تدخلت لتنصر الضعيف، وتستجيب لدعاء المرابي. لكن “رجلًا أعمى” كان يقف هناك، هو من منح هيروسترات “البصيرة” المفقودة. لقد أخبره هذا الأعمى ببساطة أن المرابي لم يكن يصلّي، بل كان يستبدل ديكه المنهك، الخائر القوى، بديك آخر فتيّ يشبهه في كل مرة يخرج فيها من الحلبة.
هنا، وفي تلك اللحظة بالذات، وُلد “هيروسترات الشرير”. لم يكن كفره بالآلهة نابعاً من إلحادٍ نظري، بل من اكتشاف أن “المقدّس” يُستخدم كستار لعملية تبديل قذرة. إحراقه المعبد، لم يكن حرقاً للحجارة، بل كان محاولة لتهشيم الرمز الذي يتغطّى به المرابون ليخدعوا السُذَّج من أمثال هيروسترات “القديم”، فقد أيقن أن تخليد اسمه بتدمير المعبد قد يضعه في مواجهة آلهة ضعيفة مستغلَّة!.
هيروسترات المعاصر
أليست بعض حكاياتنا اليوم تشبه رهان هيروسترات؟ نحن ندخل حلبات الحرب بمواهبنا، بصدقنا، بـ “ديوكنا المقاتلة” التي أطعمناها من تعبنا وصدقنا، لنكتشف أننا في مواجهة “مرابين” يملكون القدرة على تبديل الحقائق في غفلة منّا، وتوقيع هدنات ممجوجة ومكشوفة للعميان من أجل قراءة الصلوات على الديوك المنهكة.
لماذا لانريد أن ننسى هيروسترات؟
طلب منا غريغوري غورين في عنوان مسرحيته أن “ننسى هيروسترات“، لكننا لا نستطيع. لا لأننا نعشق الجريمة، بل لأن صرخته في وجه “تبديل الديوك” لا تزال تتردد في أروقة عالمنا المعاصر.
هيروسترات اكتشف أن العالم يُدار بالمكر لا بالحق، فقرر أن يترك خلفه رماداً يُذكّر الجميع بأن “المعبد” الذي لا يحمي العدالة، ليس سوى مسرح لعمليات التزوير وانتهاك حريات البشر. ربما كان هيروسترات شريراً بمقاييس الأخلاق، لكنه كان “صادقاً” بمقاييس الخيبة، فلا ينتظر أحدٌ من عدوه أن يقرأ الأدعية في الخفاء على ديكه المنهك في الحرب، بينما هو يتجهَّز، ويشحن طاقته من جديد، للقضاء على ديكك المقاتل، الذي أكل ثوماً كثيراً في زمن السلم، أو للقضاء عليك، فليس ثمة فرق هنا!

