الثلاثاء, 7 أبريل 2026

(رباعية) المخرج الفلسطيني إيليا سليمان تبدو للمشاهد المتمرس كما لو أنها شغل خاص به وحده يحتفي بالسينما بطريقته. وإن وجد سليمان في هذا الاحتفاء ما يشفي غليل هذا المشاهد الذي يقبع في صالة السينما بانتظار إكمال مشاهدة أفلام هذه الرباعية المتحققة، الواحد تلو الآخر، ونقصد بها بالطبع (سجل اختفاء1996-يد إلهية2002 -الزمن الباقي2009- حتماً إنها السماء2019)، فإن ما يحدث في الواقع أثناء مشاهدتها يدفع إلى متابعة الأداء الصارم، المحفوف بالمخاطر، لأبطال سليمان أنفسهم، ومعظمهم من الناس العاديين الذين قد نلتقي بهم عند زاوية هذا الشارع، أو ذاك المقهى، أو بانتظام عند الحاجز الذي يفضل رام الله عن القدس، وذلك عبر مشاهد منتقاة بعناية وذكاء، وحتى لو ظهروا مستغلين الفوضى المستحدثة فيها، بنتيجة التشويش الذي تعيشه القضايا التي يثيرها، والتي يشارك بها، وهو يراقب دائماً المشاهدين من مكانه، بوجه بستر كيتن، الصامت، الأعزل، والمقموع، فيما يبدو أن آلة العرض سوف تتوقف في مكان ما، وتبدأ بعرض صور هذا الوجه الذي استحدثه في أفلامه بمختلف الحجوم والأشكال، ويكاد ينهمر بالشعر الذي يشكل أقرب الفنون إلى سينماه من بين كل الفنون الأخرى، ولهذا يمكن تفسير كل ذلك الصمت في أفلامه.

المنتج الذي لا يرى

ربما لن يمكن سؤاله بين الفينة والأخرى عن سر اختفائه– سينمائياً- إذ اكتفى بإخراج هذه الرباعية مع مجموعة من الأفلام القصيرة. كما أنه لن يكون سهلاً تتبع موهبته في هذه العجالة دون ملاحظة مثل هذا الغياب بشيء من اللوم لتأخره في انجاز مشاريع أفلامه الأخرى، الأفلام التي لا تأتي بالطبع على حساب النوع الذي يعرف كيف يتحسسه، لا بل ويشمّه، إن جاز التعبير، وبخاصة أنه قد حجز لنفسه مكانة مرموقة في عالم الفن السابع.

ربما أراد إيليا سليمان أن يظل مخلصاً لموهبته، بعيداً عن عوائق الإنتاج السينمائي، ومشاكله، وهي أكبر من أن تعد وتحصى، وربما تحتاج إلى مجلدات وجهود خبراء، لكن من المؤكد أنه ليس بعيداً عن حالة (المخرج) الذي يبحث عن تمويل فيلم (كوميدي) من أفلامه عن السلام في الشرق الأوسط كما في فيلمه الأخير، وقد يحدث و”يرتطم” بمنتج فرنسي يتعاطف مع القضية الفلسطينية، ولكنه يرى أن أفلامه، ليست فلسطينية كفاية.

زوايا مواربة شعرياً

ولو مررنا بمحاذاة فيلمه (الزمن الباقي) مثلاً، فإننا سوف نجد أن الزمن المشار إليه في الفيلم، هو زمن فلسطيني بامتياز. ويمكن اعتبار أن الزمن الغائب فيه، هو سلاح السخرية من الذات أولاً، الذي أتقنه سليمان في كل أفلامه، ما يعني أنه زمن مركب، فيه إنشداد نحو السلاح الذي يلجأ إليه دائماً من “زوايا مواربة شعرياً”، وهذا ينطبق أيضاً على فيلميه السابقين (سجل اختفاء) و (يد إلهية)، وهنا تتجلّى الصعوبة في الإمساك بأطرافه، لأن الشعر يكون دائماً على الناصية، والدخول سينمائياً من هذه الزوايا التي لا شقوق فيها، أصعب بكثير حتى على المعلم من الزوايا الصارمة والمقطعة بشكل هندسي حاد التقاطيع، فما بال الخط المنبسط الذي تسير عليه الأحداث، وتتصادم مع بنى غربية وهجينة على الأرض.
ماذا لدينا في (الزمن الباقي) الذي يشكل بارومتر الأزمنة في أفلامه الأخرى؟ السائق الإسرائيلي يضع حقيبة المسافر القادم إلى مطار اللد، وهو سيدير محركها في اللحظة التي ستهب فيها عاصفة مطرية هوجاء. عاصفة لم تتحدث عنها التوراة كما سيخبر السائق، وهذا ما يدفعه للخوض في “ملاسنة ” لغوية مع نفسه هي أقرب إلى الهذر منها إلى اللغة المفهومة، وهي ستأخذ منحى هذيانياً مفروضاً عليه بقوة السيناريو تجعل منه غريباً بالكامل عن أرض ليست هي أرضه في نهاية المطاف. أرض لا يعرف من أسرارها شيئاً. حتى العاصفة المطرية الشديدة تبدو وكأنها غريبة عليه، وأن من يحركها في الواقع ليس إلا “شبح” إيليا المتكوّم في المقعد الخلفي من السيارة، وكأنه يريد الاتكاء على ذاكرته الشخصية الممحوة، وربما ذاكرة أبيه، ليقول إن رواية الحاضر الغائب مجتمعة فيه. ينجح “الشبح” بدفع السائق ليتوقف بذريعة العاصفة دون أن يطلب إليه ذلك. والسائق يلتزم جانب الطريق، ليس لأنه ضلّ طريقه، بل لأن التوراة نفسها لم تحسم أمرها بعد، وليس معروفاً متى سيتم اللجوء إليها ثانية، وبالتالي يصبح خط سير الرحلة أمراً مشكوكاً فيه، وما عليه إذاً سوى الاستسلام للذة النوم كما سنرى في المشهد الأخير، لأن الفلسطيني هنا هو من سيتحكم بالأحداث، فلا يعود طارئاً عليها. هو من سيبدأ الرحلة وينهيها، وما على السائق سوى الاستسلام لإرادة الشبح وهو يجيء على روايته مفصلة عبر تواريخ محددة.

سخرية الحاضر الغائب


في أفلامه الأخرى تبدو مقايسة الزمن أقل تخطيطاً منها في (الزمن الباقي) المتاح. سوف يذهب في (إنها حتماً السماء) إلى مشاغل أخرى. إنه الزمن بمستوياته المتعددة، حين يتنقل من مدينته الناصرة في فلسطين إلى باريس ونيويورك في مسعى منه لتأويل كوني لحكايته. وفيما كنا شهوداً على عودته في فيلمه (سجل اختفاء) من نيويورك ليصنع فيلماً في مدينته الناصرة، هانحن نراه في فيلمه الأخير يذهب من مدينته الناصرة إلى نيويورك ليصنع ذات الفيلم الكوميدي عن سلام الشرق الأوسط، إذ سيترتب عليه أن يعيد من جديد صوغ الرواية كلها من وجهة نظر الحاضر الغائب. نفترض هنا أن المخرج نفسه سوف يورط أبطاله في الأحداث، في مسعى منه لتجديد كل ما هو مهمش في الحكاية، وضخ دم جديد فيها.

بستر كيتن الفلسطيني – صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

الجندي في متاهته

لا يستعير إيليا ذاكرته الساخرة في أفلامه من غبطة العائلة التي كوَّنها الأب والأم في غفلة عن قوانين الاحتلال، أو من الجلوس مع الأصحاب، على قارعة الطريق بغية كشف جهل الآخر بالأرض التي يقيم عليها مؤقتاً، أو من ضيق الأرض بالحبيبين عندما يريدان أن يلتقيا في غفلة عن المحتل. يكفي أن يظهر الفلسطيني هنا متحكماً بالحكاية من خلال سخرية مرة لا يطيقها الإسرائيلي، ولن يتوقف إيليا سليمان في سرده سيرة الحاضر الغائب عند حدود التعالم، فهو لا يقصده في فيلمه، وهو لا يريد أن يعلم أحداً أية أشياء تتعلق بالزمن أو الموروث الفلسطيني. إنه يكتفي من أمكنته بمراقبة كل هذه الأشياء في تحولاتها الكبرى. فمن جندي جيش الإنقاذ في متاهته، إلى الشاب الذي يمتهن الصفير في غدوه ورواحه من أمامهم، حتى يجيء اليوم الذي ينسى فيه أن يقوم بفعله هذا، وهي إشارات كثيرة تحمل أكثر من تفسير. ربما بعضها مرده إلى شغف إيليا سليمان كما هو واضح بالسينما الأميركية كموزع مضمون لإيقاعات بعض أفلامه، إن لم يكن كلها، فاختياراته عموماً تكشف بجلاء عن بعض إرث هذه السينما. بعض أبطاله الذين يستعيدهم في حكاياته يحملون قسمات وتعبيرات بول نيومان، أوتسريحة جيمس دين ، أو حتى بعض ملامح روبرت ريدفورد الأميركية الصرفة، فيما يذكرنا إيليا سليمان نفسه بأدواره –كما أسلفنا- في أفلامه بأسلوب بستر كيتن، الكوميدي المتفجّع بالعالم على طريقته، ربما على مصيره الشخصي، وربما على مصائر الآخرين الهالكين لا محالة. لكن ما يلفت في الأداء هو ضياع بوصلة الاتجاه الذي يحدد سلوك البطل، وسلوك الأبطال الهامشيين العابثين، وهذا أكثر مما هو متوقع، فبستر كيتن كوميدي من نوع خاص، كان يفتت الواقع من حوله، ويرده إلى صرامة في التقاطيع وحدَّة في درجة الالتباس التي كان يثيرها في أفلامه خلال عشرينيات القرن الماضي.

زانة للقفز فوق جدار الفصل العنصري


هنا يستعير إيليا سليمان بداهة الأسلوب، ويلجأ إلى صرامة موازية في الأداء بأكثر مما هو متوقع في كادرات هندسية متقنة أقل ما فيها أنها تكشف عن أبعاد عاطفية للأرواح التي تعرف طريقها إلى أفلامه، ووحده سليمان صاحب الرواية الأكثر احتداماً في السينما الفلسطينية الجديدة يعرف كيف يتجاوز الجدار العنصري العازل باستخدام زانة القفز العالي في مشهد رفيع سيقيم في الذاكرة السينمائية العالمية طويلاً، أو يرسل بالوناً عليه صورة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فوق حواجز الاحتلال.


اترك تعليقاً

Exit mobile version