الأربعاء, 27 مايو 2026

تبدو هذه اللوحة للفنان عباس الشكرجي وكأنها مساحة مكتظة بالأرواح والوجوه والذكريات المتداخلة، لا مجرد رسمٍ بالقلم الرصاص. فمنذ النظرة الأولى، يدخل المتلقي إلى عالم سريالي كثيف، تتحوّل فيه الملامح البشرية إلى تيارات عضوية وانفعالية تتشابك داخل فضاء نفسي مضطرب، وكأن الفنان لا يرسم أشخاصاً بقدر ما يرسم حالات شعورية وأصداءً داخلية تتصارع في أعماق الإنسان.

تنتمي اللوحة بوضوح إلى المدرسة السريالية، حيث يغيب المنطق الواقعي لصالح التدفق الحر للخيال واللاوعي. الوجوه هنا لا تستقر على هيئة واحدة، بل تنصهر وتتبدّل وتذوب داخل بعضها البعض، في إشارة إلى تعدد الهويات وتشظي الذات الإنسانية تحت ضغط الذاكرة والخوف والعشق والحنين. إننا لا نرى ملامح واضحة بقدر ما نرى تحوّلات مستمرة، عيناً تصبح جزءاً من جسد، ووجهاً يتبخّر داخل خطوط منحنية تشبه الدخان أو أمواج الماء، في تكوين يفيض بالحركة والقلق معاً.

وقد اعتمد الفنان على تقنية التظليل الأكاديمي بالقلم الرصاص والفحم ليمنح العمل عمقاً بصرياً واضحاً، مستفيداً من أسلوب الـ Chiaroscuro القائم على التباين بين الضوء والظل. هذا التلاعب الدقيق بالدرجات اللونية لا يمنح الأشكال تجسيماً فحسب، بل يخلق أيضاً حالة درامية تجعل العناصر، وكأنها خارجة من العتمة أو غارقة فيها. وتكشف هذه التقنية عن خلفية الفنان الأكاديمية الراسخة، وارتباطه بأصول الإنشاء التصويري التي تلقاها خلال دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في سبعينيات القرن الماضي.

التكوين العام للوحة يقوم على إيقاع بصري متدفق، خطوط منحنية متشابكة، وانسياب عضوي للعناصر، وازدحام مقصود للوجوه والأعين والكتل. ورغم كثافة التفاصيل، فإن العمل يحتفظ بوحدة داخلية تمنحه تماسكه. هنا لا يبدو الفراغ موجوداً، فكل زاوية تحمل أثراً أو رمزاً أو إشارة نفسية، وكأن الفنان يملأ السطح بكل ما يعتمل داخله من هواجس وأسئلة.

ومن أكثر العناصر حضوراً في اللوحة تكرار العين البشرية في أكثر من موضع. العين هنا ليست مجرد عنصر تشكيلي، بل رمز للرقابة والمراقبة والقلق الداخلي؛ رقابة المجتمع أحياناً، ورقابة الذات في أحيان أخرى. إنها عين تتلصص على الروح، وتكشف هشاشتها، وتتابع انكساراتها بصمت. لذلك تبدو اللوحة وكأنها مواجهة مفتوحة بين الإنسان ووعيه المثقل بالخوف والذاكرة.

وفي أعلى يسار اللوحة تظهر أشكال صغيرة لأشخاص وجسور ومناظر مبهمة، يمكن قراءتها كإحالة إلى مدينة كركوك وذاكرتها الثقيلة، وربما إلى الجسور المعروفة فيها، بما تحمله من رمزية للعبور والانقسام والحنين. هذه التفاصيل الصغيرة تبدو كأنها بقايا ذاكرة بعيدة تتسلل وسط الفوضى البصرية، لتربط العمل بجذوره العراقية وهمومه الإنسانية العميقة.

كما تحمل اللوحة بعداً تعبيرياً واضحاً عن العشق بوصفه حالة ذوبان وتلاشٍ. فالوجوه المتداخلة والمنصهرة تخلق ما يشبه “أمواج الوجوه”، حيث تتقاذف الشخصيات حالات الحب والخذلان والوله، بينما توحي الخطوط الانسيابية بحركة روحية مستمرة، كأن الذات في حالة ترحال دائم بين الرغبة والفقد. هنا يتحول العشق إلى حالة وجودية تتجاوز المعنى العاطفي المباشر، ليصبح بحثاً عن اكتمال مستحيل.

إن قوة هذه اللوحة لا تكمن فقط في مهارة رسمها، بل في قدرتها على فتح أبواب التأويل أمام المتلقي. فهي لا تقدم رسالة مباشرة أو معنى مغلقاً، بل تترك المشاهد يتنقل بين طبقاتها النفسية والرمزية بحرية. ولهذا تبدو أعمال عباس الشكرجي أقرب إلى قصائد بصرية مرسومة، يمتزج فيها الألم بالجمال، والواقع بالحلم، والذاكرة بالخيال، حتى يصل المتلقي إلى تلك اللحظة التي تتلاشى فيها الحدود بين الإنسان وصورته الداخلية.

اترك تعليقاً

Exit mobile version