في متحف روهسكا بمدينة يوتيبوري، افتُتح يوم الأربعاء الماضي معرض بعنوان: «سننجو: حركة الاستعداد والتصميم»، وهو مشروع فني وبحثي لطلاب برامج البكالوريوس في تصميم المجوهرات والمنسوجات والخزف في أكاديمية الفنون والتصميم HDK-Valand، يقدّم قراءة معاصرة لمفهوم “الاستعداد للأزمات” بوصفه قضية ثقافية وسياسية ووجودية، لا مجرد سلوك فردي مرتبط بالخوف من الكوارث أو الحروب.
المعرض، الذي يحمل بالسويدية عنوان: Vi kommer att överleva: Preppingrörelsen och design يأتي في لحظة عالمية تتسم بتصاعد القلق وعدم اليقين، حيث تحوّل مفهوم “الاستعداد” في السويد، خلال السنوات الأخيرة، من هامش اجتماعي محدود إلى جزء من النقاش العام والسياسات الوطنية، خاصة بعد حملات التوعية الرسمية التي دعت المواطنين إلى الاستعداد لاحتمالات الحرب أو الأزمات الكبرى.
لكن المعرض لا ينشغل بتقديم “دليل نجاة” تقليدي حول تخزين الطعام أو أدوات الطوارئ، بل يسعى إلى تفكيك فكرة الاستعداد ذاتها، وإعادة النظر في معناها الإنساني والاجتماعي. هنا، لا يُنظر إلى “النجاة” بوصفها انعزالاً فردياً أو هوساً بالبقاء، بل باعتبارها فعلاً جماعياً يقوم على التضامن والمهارات المشتركة والذاكرة الثقافية.
يحاول طلاب الأكاديمية تحويل مفهوم الاستعداد من مسألة شخصية إلى مسؤولية جماعية مرتبطة بالتصميم والحرفة والفن، عبر أعمال تستخدم السيراميك والمنسوجات والمجوهرات كوسائط للتفكير في الخوف والهشاشة والقدرة على الصمود. فالحرف اليدوية، كما يقترح المعرض، لا تمنح الإنسان أدوات مادية فحسب، بل توفر أيضاً نوعاً من الأمان النفسي والارتباط بالعالم الملموس، في زمن تتزايد فيه الرقمنة والتهديدات غير المرئية.
ويبدو المعرض، من زاوية أخرى، نقداً غير مباشر لثقافة الاستهلاك الحديثة، إذ يطرح فكرة الاكتفاء الذاتي وإصلاح الأشياء بدلاً من استبدالها المستمر، في مواجهة عالم يقوم على الاستهلاك السريع والاعتماد الكلي على سلاسل التوريد العالمية.
ثقافياً، يعيد المعرض تعريف “البقاء” بوصفه بناءً لشبكة إنسانية قادرة على احتضان الفرد وقت الأزمات، لا مجرد هروب إلى عزلة محصنة. أما سياسياً، فإنه يطرح سؤالاً حساساً: من يملك فعلاً ترف “الاستعداد”؟ وهل يقود هذا المفهوم إلى مزيد من الأنانية والخوف من الآخر، أم إلى تعزيز قيم التكافل الاجتماعي؟
اجتماعياً، يركز المشروع على ما يمكن تسميته بـ”الاستعداد الوجودي”، حيث تصبح المهارات اليدوية شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية. فالسيراميك والمنسوجات والمعادن ليست مواد جامدة فحسب، بل امتداد لعلاقة الإنسان بالأرض والوقت والعمل المشترك. وفي لحظات الانهيار الكبرى، حين تتعطل التكنولوجيا وتتراجع الأنظمة الحديثة، تبقى المعرفة اليدوية إحدى آخر وسائل البقاء الممكنة.
وتنبع قوة المعرض الفنية من التناقض الذي يبنيه بين هشاشة الفن وقسوة الكارثة. فالسيراميك، على سبيل المثال، يمثل الأوعية التي تحفظ القوت، لكنه في الوقت نفسه مادة قابلة للكسر، في استعارة واضحة لهشاشة الحضارة نفسها. أما المنسوجات فتؤدي دور “الدرع الناعم”، بما توفره من دفء وحماية، فيما تتحول المجوهرات من مجرد زينة إلى تمائم صغيرة أو أدوات تحمل معنى الهوية والانتماء حتى في لحظات النزوح والفقدان.
المعرض، في جوهره، محاولة فنية لـ”ترويض الخوف”، لا عبر إنكاره، بل عبر مساءلته. إنه يدفع الزائر للتفكير في سؤال بسيط وعميق في آن: ما الأشياء التي تستحق الإنقاذ حقاً عندما ينهار كل شيء؟
ومن هنا يبرز الفرق بين “النجاة المادية” و”البقاء الإنساني”. فالاستعداد القائم فقط على تخزين الأدوات والمواد يفترض أن الإنسان قادر على العيش كجزيرة معزولة، بينما تؤكد التجربة الإنسانية أن المجتمعات لا تصمد إلا بالعلاقات المتبادلة والمهارات المشتركة والثقة بالآخر.
لهذا تبدو الحرف اليدوية في أعمال طلاب HDK-Valand أقرب إلى “جسر” منها إلى “مخزن”. فالحرفة ليست مجرد شيء يُمتلك، بل لغة مشتركة تنتقل بين الأجيال، ووسيلة للتواصل والتعاون حين تفشل التكنولوجيا أو تنهار الأنظمة المعقدة.
كما يعكس المعرض مفهوماً معاصراً بات يتردد كثيراً في النقاشات الاجتماعية اليوم، وهو مفهوم
“الصمود الاجتماعي” (Social Resilience)، القائم على فكرة أن الأمان الحقيقي لا ينبع مما يملكه الإنسان داخل مخزنه الخاص، بل من شبكة العلاقات التي تحيط به، ومن عدد الأشخاص الذين يمكن الوثوق بهم وقت الأزمات.
فالأنانية المادية، في نهاية المطاف، تولد الخوف والعزلة، بينما يحوّل التماسك الإنساني الآخر إلى شريك في النجاة لا إلى تهديد. ومن هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الذي لا يمجد الأدوات بقدر ما يعيد الاعتبار للإنسان نفسه، وللقدرة الجماعية على تجاوز الكوارث عبر التضامن والمعرفة والخيال.
إنها تجربة فنية تحاول أن تذكّرنا، وسط عالم مضطرب، بأن ما ينقذ البشر في النهاية ليس فقط ما يملكونه، بل ما يستطيعون مشاركته مع الآخرين.

