الثلاثاء, 7 أبريل 2026

ليست الرحلة في زورق الموت بمنأى عن الأوصاف الأدبية. ربما تبدو قصيدة الشاعر اليوناني كونستانتين كافافيس الأقرب إلى رحلات القوارب المطاطية التي تنشد الجزر اليونانية كمحطة أولى في تيه تمثله الهجرة الأكبر في حياة أحد أكبر شعوب المنطقة ميلاً للاستقرار. كل ما قيل في قصيدة (الطريق إلى إيثاكا ) يمكن استجرار المجازات منه لوصف بعض هذه الرحلات المحفوفة بالألم العظيم.

الطريق إلى إيثاكا الجديدة تختلف من حيث الهدف. لا يمكن تعزيزها إلا عن طريق التوصيفات الأدبية، في ما تبدو رحلات هؤلاء المهاجرين بحاجة لقراءات سياسية متعمّقة بحكم هذا الكباش الكوني الذي يدور اليوم على أرضهم السورية، حتى أنه تجاوز تلك الأسطورة التي حيكت من حول إله البحر بوسيدون حين يغضب على الإنسان الأرضي أوديسيوس، فيحكم عليه بالفناء المائي، أي ببقائه محكوما بالماء الى الأبد. اليوم لا يبدو أن بوسيدون معنياً بالتيه في مياه البحار بالرغم من أن سلطات هذه البحار أطلقت في أوقات سابقة عملية بحرية ضخمة بهذا الاسم لتحد من تدفق المهاجرين عليها من تركيا: مرمريس، بودروم، ازمير، كوشتاديسي وأسماء مدن أخرى ستعلق بذاكرة كل من جرّب “لعنات” هذه البحار إلى الأبد.

المهاجر، الذي يفقد مواطنة لم تكن ميسَّرة له، يفقد أرضية الثبات التي مكنته من بلاده، وهو إذ يفقدها مودعاً إياها للأبد، فانه لا يحلم بأكثر من استقرار وأمن وأحلام تتوافق مع اعتداله وضياء شخصيته ومكوناتها التي صنعت منه الإنسان المتسامح والمرتبط بالمكان، وأن ما يحدث اليوم من حوله يبدو وكأنه لا يمسه في أعماقه، لا في الداخل، ولافي ذلك الخارج المذل له ولسيرورة حياته التي جبلت ضمن أقانيم مسروقة منه بحكم الجور الذي عانت منه بلاده في الانعطافات السياسية الخطرة التي مرت بها في تاريخها المعاصر.رحلات البحر في هذه الأيام لا تتشابه إطلاقاً حتى وان بدا أن هدفها واحد. كل رحلة تختلف عن الأخرى. كل لاجئ سوري أو أفغاني أو عراقي أو فلسطيني “قرر” أن يدفع ثمن متاهته في البحر سيكون له قصة مختلفة عن الآخر، ف” النقطة ” التي يقوده إليها المهرّب تختلف باختلاف المهرب، وارتباطاته التركية التي قد يتفرَّع عنها أسئلة ” بوليسية ” كثيرة عادة تظل بلا أجوبة. فلا يهتم من ينوي ركوب ” البلم ” إلا بالوصول بأسرع وقت ممكن إلى أقرب جزيرة يونانية يمكنه بلوغها قبل أن تقضي على آماله دوريات خفر السواحل التركية أو اليونانية المنتشرة في المياه الإقليمية لكلا البلدين، وهي تقوم بالتنسيق بينها في أحايين كثيرة بخصوص اللاجئين، أو حين يتدخل ( أبو اليتامى ) فيقلب الزورق المطاطي بحمولته، ويقضي على الركاب بضربة واحدة.

مسرحية مع وقف التنفيذ

الوصول إلى مدينة أزمير التركية سهل بالنسبة للسوريين، الذين يتوافدون إلى تركيا من دون تأشيرة دخول، لكنها بالنسبة لفلسطيني – سوري تكاد تكون مستحيلة. الحصول على تأشيرة دخول كان قريباً من دعابة. ربما كان الدعابة بحد ذاتها. يشاع أن السلطات التركية صارت تحد من تحركات السوريين على أراضيها، وتطلب أذونات التنقل بين المدن والمحافظات التركية من دوائر الهجرة، ولكن هذا لم يحد من تدفق هؤلاء “البؤساء” على نقاط العبور البحرية بالرغم من قيام خفر السواحل التركي قبل أسابيع بإغراق زورق مطاطي سوري ما أدى إلى مصرع ثلاثين مهاجراً وسط صمت مريب.

كان يتحتَّم علي في يوم قائظ أن أعبر إلى أزمير من طريق مطار استانبول بعد حصولي على دعوة من قبل مخرجة مسرحية تركية صديقة. هذه المدينة البحرية ليست وجهتي أنا فقط. ولن يكون صعباً الوصول إلى ساحة “بسمني”. كانت ابنتي ترشدني من الدائرة القطبية الشمالية في النرويج بكل ما أحتاجه من عناوين وأسماء في أزمير. سبق لها أن أشرفت على سفر جدَّتها وجدَّها بذات الطريقة. قالت: اذهب إلى مطعم السندباد سوف تجد مئات السوريين هناك، وتناول طعامك، وسوف تكتشف طريقك بنفسك.

-يا لحكمتها، ويا لحداثة سنها!!

إيثاكا ب1100 دولار

لم يكن صعباً الوصول إلى المطعم. بالكاد يبعد مسافة خمسين متراً من الساحة الشهيرة. غمز لي الشاب العراقي الذي سألته عن السندباد، وكأنني أشير له سلفاً إلى بحثي عن المهربين، وأشار إلى تجمّع بشري كبير عند المطعم السوري. وصلت، وأنا أجرُّ حقيبتي. بدا لي أنني “هالك”، وأريد العودة إلى الوراء. ليس ثمة وراء هنا. ليس أمامي إلا مواصلة الطريق. كان المطعم يعج بعشرات السوريين والعراقيين. يمكن التقاط الكثير من المفردات التي تدلل عليهم. أشحت بوجهي عن المأكولات المفرطة في سوءتها، وبحثت عن مكان آخر.

قرأت على واجهة مطعم تركي (شكيمبي). هذه أكلة لذيذة كنت أتناولها في بلغاريا أثناء دراستي الإخراج السينمائي. حساء “الكروش” مع الحليب والفلفل الأحمر والخلّْ والثوم. أكلت صحنين بنهم. اتصلت بالرقم الذي أعطتني إياه ابنتي. كان أبو إبراهيم المهرّب السوري. بدا لي من لهجته أنه من إدلب أو حلب. عرفت أن سعر ركوب القارب المطاطي للوصول الى “إيثاكا” المفترضة 1100 دولار أميركي. تذكرت الأسطورة الرومانية التي تقول إن على الموتى أن يعبروا نهر ستايكس بقوارب الموتى، وعليهم أن يحظوا بالعملة من أجل دفع الأجرة للمشرفين على القوارب، وحتى يسمحَ الكلب المتوحش سريبيروس برؤوسه الثلاثة للموتى بالوصول إلى قاضي الموت. اعترضت مع أن الرجل بدا لي عبر الهاتف مصدر ثقة بعكس ما يُشاع عن المهربين. صوته كان مطمئناً: – ادفع لي 900 دولار و 50 دولاراً لمكتب التأمين الذي يتولَّى “حجز” المبلغ حتى إعلان الوصول. فكرة التأمين كانت مقبولة من قبل اللاجئ حتى وصوله وجهته التي لا يتدخل بها عادة. يكفي الوصول إلى أي جزيرة يونانية، والاستسلام الأعمى لفكرة النزول عليها بغض النظر عن أهوال الطريق. هناك من يضيّع طريقه لسبع أو ثماني ساعات أحياناً. ليست الجزيرة هي من تخبئ جماليات الرحلة للنهايات، بل الطريق إليها. الطريق يزيد من شيخوختك فجأة. لا يدفع إلى جماليات كافافيس المنظورة في قصيدته. لاتبحث عن كافافيس هنا أيها الولد وأترك ذلك لأثينا. كنت أكتب بشكل دائم عبر الموبايل حين أريد التخفيف من ألم المخيلة في رحلة كانت تستفزني أكثر مما تخيفني. بدت لي أنها رحلة من وراء البحار وليس من خلالها، كأنها رحلة تكتفي بأن تسبب لي حُمَّى لن تنتهي قريباً.

اللحظات الأولى من النزول على جزيرة ساموس Foto: ALCommunita

حمَّى كاذبة

قال أبو إبراهيم: ادفع اليوم وغداً يمكنك أن تستقل الزورق ليلاً. لدينا رحلة. لم أكن متهيأً نفسياً للإبحار، فتذرَّعت بالحمى الكاذبة: لو ننتظر يومين أوثلاثة حتى تتحسَّن صحتي، فأنا متوعكٌ. أردف: كما تشاء، ولكننا لن نبحر خلال الأيام القادمة، فالبحر هائج.

واصلت الكتابة بالموبايل، فقد تركت الكومبيوتر في مدينة صيدا اللبنانية تحسباً للرحلة البحرية، ولم يتبقَّ بحوزتي سوى الهاتف الصغير لأكتب من خلاله وأرسل ما أكتبه عبر البريد الإلكتروني كي تبقى في عهدته إن حدث شيء أثناء الرحلة. خمَّنت أن ما أكتبه من هذيانات يمكنه أن بسهم بهدم المدن التي سأعبر منها في رحلة نحو المجهول. و فكرة أن أكتب عبر هذه المدن قصائد برقية صغيرة كانت قد سيطرت عليَّ تماماً. في أزمير اشتريت كاميرا “أتش دي” رقمية صغيرة. قلت سأحاول أن أصوّر شيئاً من هذه الرحلة. نزلت في أوتيل غونين. كان قريباً من ساحة بسمني. بقيت فيه أربعة أيام. اتصل بي المهرب أبو إبراهيم وقال: ستغادر اليوم الى بودروم، وستبحر الليلة مع ثلاثين راكباً. جاء أمير. الوسيط الذي سيدلني على الباص المغادر إلى هذه المدينة. وصلت في الثامنة مساء. اتصل بي مرابط آخر على جبهات التهريب عرفت أن اسمه مراد ودلَّني على الأوتيل الذي سأبقى فيه بضع ساعات ريثما يتم نقلي إلى “النقطة”. وسألني عن سترة الإنفاذ. قلت اشتريت واحدة بستين ليرة تركية. انتظرت حتى الثانية ليلاً. جاء صوت مراد ثانية ليقول لنا ليس هناك إبحار الليلة، وأنه يمكننا النوم. لم نحتج . نمنا. استيقظت صباحاً. بحثت عن فطور وبقيت على هذه الحالة ثلاثة أيام اتصلت خلالها بأبي إبراهيم عدة مرات، وكان يتذرَّع بقوله إنهم لم يتمكنوا من شراء “النقطة” من الجندرمة التركية. جاء من ينقلنا إلى أوتيل في مدينة كوشتاديسي. هناك التقيت برفاق آخرين سيستقلون معنا القارب نفسه. كانوا سوريين وعراقيين وأكراد. نمنا ثمانية أشخاص في غرفة واحدة. من الواضح أن أصحاب الأوتيل لديهم علاقة ما بتهريب البشر في قوارب الموت، فلم يكن هناك نزلاء سوانا. بقينا ثلاثة أيام تعرَّفت خلالها على الشاب السوري المسيحي شادي ابن مشتى الحلو الذي يرافق أخيه جورج (القاصر). سأكتشف لاحقاً أن جورج هو مهدي، وهو مسلم من حلب ولاتربطه به صلة قربى، وأن شادي يقول ذلك ليحميه لاحقاً من السلطات اليونانية التي ستؤخر ترحيله لأنه قاصر. تعرَّفت إلى أبو يعرب الذي سيقود “البلم”. كان شاباً سورياً فتياً، مرحاً، شجاعاً، وهو من سيقود بنا زورقاً مطاطياً لم يسبق له أن ركب فيه. صار المهربون يلجأون إلى مسافر معدم لا يملك المبلغ المطلوب ليقود الزورق بدلاً من مهرب قد يسقط في أيدي السلطات اليونانية، ويُسجن خمسة عشرة عاماً. عند الوصول سيتخلَّص السائق العابر من “البلم”، ولن يشي به أحد. اعترف أبو يعرب لاحقاً بأنه دخَّن حشيشة الكيف حتى يعبر بنا البحر إلى الجزيرة الموعودة. لم تكن كذلك على أية حال، فقد وقعنا في جزيرة ساموس العسكرية اليونانية، وهي جزيرة سيئة السمعة عند اللاجئين.

النقطة الموعودة

دقَّت ساعة الصفر في اليوم الثالث. جاء من يقلّنا في أوتوبيس إلى “النقطة ” الموعودة. حملنا حقائبنا الصغيرة – بعد أن طلب إلينا أن نخفف حمولاتنا إلى الحد الأقصى- وسترات الإنقاذ وانطلقنا. لم يستغرق الطريق أكثر من ربع ساعة. نزلنا عند نادٍ لليخوت. قطعنا جسراً خشبياً. وسقطنا في البلم واحداً تلو الآخر، ومن يتلكأ كان المهربون يتولّون عملية دفعه دون تردد. سقطنا 38 شخصاً و 6 أطفال في قارب مطاطي لزج، واستحال كل شيء من حولي إلى بحر من زلال البيض. لم أشعر بكرهٍ نحو شيء كما شعرت في هذه اللحظات نحو هذا القارب المطاطي. كان لزجاً وكريهاً ولا يمكن الركون إليه. محاولاتي للتصوير ذهبت سدى. كان ضغط المسافرين يفوق التوقعات. كتل من اللحم مرمية فوق بعضها. هناك من يصرخ ويقرأ الأدعية. وهناك من يقهقه من الخوف. لأول مرة في حياتي “أرى البحر من داخله”. بدأت الشمس تشرق. لم نعد نرى شيئاً حوالينا سوى الماء. كان جهاز ال “جي بي اس” هو من يوجّه الرحلة. بعد ساعة ونصف ظهرت في الأفق ملامح يابسة من بعيد. صرخ البعض بأنه يرى الجزيرة. بدأ أبو يعرب يزيد قليلاً من سرعة الزورق ويطلب من الجميع الركون في أماكنهم حتى لا ينقلب بنا. ظهرت طائرة هليكوبتر يونانية فوقنا مباشرة. بقيت تحلّق أكثر من عشرين دقيقة دون أن نعرف هدفها من التحليق. صاح البعض بأن علينا أن نثقب الزورق قبل وصول خفر السواحل اليوناني الينا. لم تكن فكرة سديدة، فقد كانت الجزيرة ماتزال بعيدة. بدأ الماء المالح يتسرَّب إلى الزورق من جنبيه، فصاح أبو يعرب على القابعين في مقدمته بأن يزيدوا من ثقلهم حتى يستوي مع الماء. تحسَّن الوضع قليلاً. مرَّ زورق يوناني كبير بالقرب منَّا. دار من حولنا. توجسنا شراً في بادئ الأمر. كان على متنه امرأة ورجلين. أشاروا علينا أن نكمل طريقنا باتجاه الجزيرة. لحظة الوصول سقط الموبايل بالماء، وتعطَّلت الحياة كلها فجأة.

في جزيرة ساموس كنَّا على موعد مع معسكر شبيه بمعسكرات الاعتقال مدّة عشرة أيام. كان الوضع مزرياً للغاية. صادروا كل شيء بحوزتنا. راحت علي الكاميرا الرقمية الصغيرة، ولم يكن ممكناً عمل شيء سوى انتظار الخارتيا “. الورقة التي ستسمح بمغادرة الجزيرة إلى أثينا.”

كلاوز كينسكي المتخيّل.. Foto: ALCommunita

مطار أثينا يوزعنا على المطارات

لم تكن جزيرة ساموس هي ايثاكا المتخيّلة في كل الأحوال. ليس الطريق إليها هو الأجمل. كان الغرق في الشيخوخة في سبيل الوصول إليها هو من يعجّل بالخروج منها بأسرع وقت ممكن مع نسيان كل ما يمت إليها بصلة. في أثينا التقيت بمهرّبين من كل نوع: فلسطيني وسوري ونيجيري ومصري. جرَّبت مرتين السفر عبر مطار أثينا بجواز سفر من بلد أوروبي شرقي سابق. وفي المرَّتين ألقي القبض عليَّ. وكانوا “يعيدونني إلى البيت”، وأنا أصر على هويتي السورية، وأترنَّم بقصيدة محمود درويش: ” مطار أثينا يوزعنا على المطارات” . في المرة الثالثة كان يتوَّجب علي أن أشبه الممثل الألماني كلاوس كينسكي، وأحمل جواز سفر دولة أوروبية غربية باسم هانز. ل بعد أن دفعت في “مكتب التأمين” مبلغ 4300 يورو يتسلَّمها المهرب المصري الأسمر لحظة وصولي إلى محطتي النهائية. كان شبيهي وغريمي الذي سيغيّر ملامحي لفترة طويلة، وكان يجب أن أعبر الحواجز الأمنية اليونانية في المطار بثقة أكبر، وأدخل الطائرة الدنمركية المتجهة الى ستوكهولم، وأغرق في إغماضتين ونصف أمام المضيفتين الشقراوين، كما لو أنني أستعيد ولادة ناقصة، لا يبدو أنها ستكتمل أبداً مع قوس المنفى الجديد.

2015

اترك تعليقاً

Exit mobile version