الثلاثاء, 7 أبريل 2026

ليست كل الصور مجرّد توثيق للحظة، فبعضها يتحول إلى بوابة لفهم مدن كاملة، بل وطرق التفكير فيها. صورة الفتاة الأفغانية، التي التقطها ستيف ماكوري، تمثل واحدة من أبرز هذه الحالات، حيث تجاوزت حدودها كصورة فردية لتصبح رمزاً عالمياً.

ورغم أن الصورة التُقطت في مخيم للاجئين في باكستان، إلا أن ملامح الفتاة التي عُرفت لاحقاً باسم شربات غولا تُقرأ غالباً بوصفها امتداداً لمدن أفغانية كبرى مثل كابول، التي شكّلت على مدى عقود مسرحاً للتحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

صورة تتجاوز المكان

في السياق الواقعي، لم تكن الفتاة سوى واحدة من آلاف الأطفال الذين عاشوا تجربة النزوح. لكن الصورة، بعد نشرها عام 1985، تحوَّلت إلى تمثيل بصري للحرب الأفغانية بأكملها. وهنا تبدأ المفارقة: صورة التُقطت في مكان محدد، لكنها استُخدمت لتمثيل جغرافيا أوسع بكثير.

هذا التحوّل لا يحدث بشكل عفوي، بل نتيجة آليات إعلامية تختار صوراً معينة لتكون واجهة سردية لواقع معقّد. وهكذا، تصبح الملامح الفردية مدخلاً لفهم مدينة، بل أحياناً بديلاً عنها.

كابول كخلفية غير مرئية

حين تُستحضر هذه الصورة، تظهر مدن مثل كابول في الخلفية، حتى وإن لم تكن حاضرة فعلياً في اللقطة. فالصورة لا تُقرأ فقط بصرياً، بل ثقافياً أيضاً. وهي تعيد إنتاج تصور عن المدينة بوصفها فضاءً للمعاناة، أكثر من كونها مكاناً للحياة اليومية.

لكن هذا التمثيل يظل جزئياً. فـكابول، مثل غيرها من المدن، ليست مجرد حرب أو لجوء، بل شبكة معقدة من الحياة الاجتماعية والثقافية. غير أن الصورة، بحكم قوتها، تميل إلى اختزال هذا التعقيد.

كيف يصنع الغرب صورة الشرق؟

في هذا السياق، تندرج الصورة ضمن نمط أوسع من التمثيل البصري للشرق في الإعلام الغربي. حيث تُعاد صياغة الواقع عبر صور مختارة بعناية، تركز غالباً على عناصر الألم، الفقر، أو الصراع.

لا يعني ذلك أن هذه الصور غير حقيقية، لكنها تقدم جزءاً من الحقيقة فقط. ومع تكرار هذا الجزء، يتحوّل إلى الصورة الكاملة في ذهن المتلقي.

مدن مثل كابول تُختزل في هذه السردية إلى مشاهد محددة، بينما تغيب تفاصيل أخرى: الحياة اليومية، التنوّع الاجتماعي، والتجارب الفردية التي لا تنسجم مع الصورة النمطية.

بين الجمال والمعاناة

ما يمنح صورة الفتاة الأفغانية قوة إضافية هو تداخل الجمال مع الألم. فهي صورة مؤثرة بصرياً، لكن هذا التأثير يطرح تساؤلات حول علاقة المشاهد بالمعاناة: هل نتعاطف مع الواقع، أم مع الصورة؟

في كثير من الحالات، يتم استهلاك هذه الصور بوصفها لحظات إنسانية مكثّفة، دون أن يقود ذلك إلى فهم أعمق للسياق الذي أنتجها. وهنا تتحوّل الصورة إلى نهاية القصة، لا بدايتها.

من يروي الحكاية؟

تكشف هذه الحالة عن خلل في توازن السرد: فالصورة التي شكّلت وعياً عالمياً عن أفغانستان، لم تُنتج داخلها، بل جاءت من خارجها. وهذا يطرح سؤالاً حول من يملك حق رواية القصة، ومن يحدد ما يُرى وما يُهمَل.

اليوم، ومع تطور وسائل الإعلام، باتت هناك محاولات لإعادة تقديم هذه المدن من الداخل، لكن أثر الصور الأيقونية لا يزال قائماً.

ما وراء الصورة

في النهاية، لا يمكن اختزال مدينة في وجه، ولا شعب في صورة. لكن بعض الصور تمتلك قدرة استثنائية على فتح نقاش أوسع، وصورة الفتاة الأفغانية واحدة منها: ليست فقط وثيقة عن لحظة، بل مدخل لفهم كيف نرى العالم… وكيف يُقدَّم لنا.


اترك تعليقاً

Exit mobile version