الثلاثاء, 17 مارس 2026

حدث ذلك في خريف 1987 حين وصلنا إلى مدينة بلوفديف البلغارية بعد قضاء شهر تقريباً في أكاديمية العلوم الحزبية في العاصمة صوفيا التابعة للحزب الشيوعي البلغاري، إذ كنّا نتجمع باسم أفراد “الكورس” الحزبي الجديد الذين سيقضون عشرة أشهر في رحاب الأكاديمية الحزبية الأخرى التي تقع على ضفاف نهر ماريتسا.

لا أعرف حينها لماذا ساورتني الشكوك بأن “الكورسيستي” الذين توفدهم تنظيماتهم الحزبية والفصائلية إلى هذا التجمّع ما هم إلا شخصيات مغضوب عليها في بيئاتها التنظيمية، أو شخصيات تحتاج إلى نقاهة من نوع ما، وقلّة من “المناضلين” كانت تجيء لأسباب غامضة لا أحد يعرف عنها شيئاً، باستثناء –ربما-من قام بإيفادهم، ليشكلوا بسلوكياتهم نوعاً من الحسد الذي يطفو على الخلافات التنظيمية العقائدية بين أعضاء الكورس الجديد، فهم الأقدر على السهر واللهو والتبذير، وهم الأقدر على صوغ بعض المواقف التي لا تتطلب سوى هذا النوع من النشاط الخارج عن أي تأطير فكري أو فلسفي أو حتى سياسي آني، بمعنى إعادة تشكيل اللحظة الآنية التي يتفنن في رسمها الأعضاء الحزبيون بممارساتهم التنظيمية اليومية.

كنَّا موزعين على أكثر من تنظيم حزبي وفصيل، وبعضنا كان في الواجهة الحزبية المفضلة عند كوادر وقيادة الحزب الشيوعي البلغاري في المدرسة الحزبية الثانية في البلاد، وبعضنا الآخر كان حضوره رفع عتب ومن طريق حزب الفلاحين الذي يمارس دور الشيوعيين مع الأحزاب غير المرغوب فيها، ولكنها ضرورة من باب العلاقات العامة التي لايوجد مهرب منها، وقد أصبحت المدرسة في بلوفديف بمثابة منفى اختياري لعناصر وكوادر التنظيمات الفلسطينية التي تقصد بلغاريا للأسباب الآنفة الذكر بحيث يتجنّب البلغار خلافات هذه التنظيمات “الطازجة” أمام أحزاب حركات التحرر العربية والعالمية التي تدرس في الأكاديمية – الأم، وخاصة بعد خروج الفلسطينيين من بيروت سنة 1982، وما تلاها من أحداث عاصفة مثل انشقاق منظمة التحرير الفلسطينية، وحرب المخيمات الفلسطينية وسواها من عواصف وأعاصير تركت تداعيات خطيرة على الجسم الفلسطيني الذي لم يكن واحداً في يوم من الأيام.

لم أكن من تنظيم مرحب به في بلغاريا كثيراً، وقد أسند الشيوعيون البلغار في مواقف كثيرة مهمة التعاطي معه إلى حزب الفلاحين، لكن هذا لم يكن يعني أنهم قطعوا علاقاتهم به، بالعكس، فعلى الصعيد غير الرسمي كانت بلغاريا مقصداً دائماً لقيادات هذا التنظيم، وان لم تكن معلنة، اذ كانت القيادة البلغارية على ما يبدو تتجنّب شتى صنوف الإحراج مع منظمة التحرير الفلسطينية في هذه اللحظات الفاصلة من التاريخ الفلسطيني المعاصر.

لم يكن يكفي في حسابات التجمّع الحزبي أن تقع المدينة على تلال ثلاث. أو لم يكن في الوارد إجراء مسح جغرافي وتاريخي: المحاضرات كانت تتركز على تاريخ الاقتصاد السياسي، وتاريخ الحزب الشيوعي البلغاري، تاريخ الفلسفة، وتاريخ الحركة العمّالية الشيوعية وسواها من دروس التثقيف الحزبي التي كان من المفترض أن تغطي عشرة شهور من الوقت الذي كان يمتلكنا ويحركنا وفق أجندة غير مرئية أشرف عليها بحذق مدير المدرسة الرفيق فلايكوف.

فلايكوف كان شخصاً مرناً وذا حس أمني مدرّب، وكان يوزع المهام على “الكورسيستي” بدهاء مقنع حتى يتجنب إمكانية وقوع أي صدام بين أفراد التنظيمات الفلسطينية الذين قدموا من خلفيات فكرية وسياسية مختلفة، وكان بالإمكان بالطبع الوقوع على حساسيات متوقّعة بين أفراد كل تنظيم على حدة، وهذا كان ممكناً بسبب شكوك في توزيع الولاءات، لأن بلغاريا كانت ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.

أصبحت رحلاتي المسائية في مركز مدينة بلوفديف تتخذ مساراً مختلفاً بعد مرور شهرين على وجودي فيها. استطعت أن أشق طريقي إلى المدينة القديمة بسهولة. وعندما قرأت اسم الشاعر الفرنسي الفونس دو لامارتين على حجر أبيض، تملكتني دهشة وحيرة لم يكن ممكناً التفلت منهما إلا بعد أن قالت لي أستاذة تاريخ الحركة العمالية الشيوعية الشابة إن لامارتين كان متوجهاً إلى تركيا (ازمير)، وأصيب بالحمّى مما اضطره البقاء في هذا النُزل الذي تجده أمامك، وقد تحوّل مع الوقت إلى متحف لامارتين.

على التلّة المقابلة كان يقف المارد “السوفييتي” أليوشكا. عملاق من الغرانيت يذكر بلغاريا بتحريرها من الفاشية. مع انقضاء “حلقات الذكر الشيوعية” مطلع تسعينات القرن الماضي أصبح أليوشكا عنواناً لهجمات البلغار المنصرفين عنها، وجرت محاولات كثيرة لطرده من التلة، وبحدود علمي أخفقت كلها، أقلّه حتى عام 2013.

كنت أصعد إليه أسبوعياً مرتين في تمرين مفتوح للقلب على الحب، ولم أكن أعي معنى الصعود والنزول إلا بوصفهما حركتين في حياة مقبلة على استعارات عاطفية ستغيّر الكثير في مصيري المعلق على التلال الثلاث.

اترك تعليقاً

Exit mobile version