يرى المخرج الروسي أندريه كونشالوفسكي أن الثقافة الأوروبية تمر بمرحلة انحطاط غير مسبوقة، حيث تم استبدال المعايير الجمالية الكلاسيكية بـ “فن الصدمة” والتسويق التجاري الفج.
وإّ قال سلفادور دالي ذات مرة جملة صادمة وبسيطة في آن واحد: «أنا غني لأن العالم مليء بالحمقى». فإن هذه العبارة قد تبدو قاسية أو متعجرفة، لكنها تكتسب معنى مختلفاً تماماً عندما ننظر إلى ما يحدث اليوم في سوق الفن المعاصر.
قبل عقود قليلة، اشترى الفنان البريطاني داميان هيرست سمكة قرش ميتة ووضعها داخل صندوق زجاجي مملوء بالفورمالدهيد. بعد ذلك منح هذا «العمل» عنواناً فلسفياً طويلاً: «الاستحالة الفيزيائية للموت في ذهن الكائن الحي». لم تكن هناك فرشاة ولا مهارة نحت ولا ابتكار تقني. مجرد جثة سمكة محفوظة في سائل كيميائي. ومع ذلك، بيعت هذه القطعة لاحقاً بملايين الدولارات، وأصبحت أحد أشهر الأعمال في تاريخ الفن المعاصر.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن ذكاء الفنان، بل عن منظومة كاملة جعلت من هذا المشهد أمراً طبيعياً. كيف تحوّل القرش الميت إلى «تحفة»؟ وكيف أصبح سعره يعادل أعمالاً لفنانين غيّروا تاريخ الفن؟
الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في هيرست نفسه. فالرجل، من منظور تجاري بحت، نجح في ما يفشل فيه كثيرون: حوّل فكرة صادمة إلى علامة تجارية. لقد فهم جيداً طبيعة السوق الفنية الحديثة، حيث لا تحدد القيمة الجمالية للعمل سعره، بل تحدده قوة الدعاية والندرة المصطنعة والشبكات المالية التي تحيط به.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. فالعالم الفني اليوم لم يعد مجرد فضاء للإبداع، بل أصبح نظاماً اقتصادياً معقداً. هناك صالات عرض، ومستثمرون، ونقاد، ومزادات، ومتاحف، ومضاربون. وفي هذه المنظومة الضخمة يمكن لأي فكرة غريبة أو صادمة أن تتحوّل إلى «ثورة فنية» إذا قررت السوق دعمها.
لننظر إلى مثال آخر: الفنان الأميركي أندي وارهول، أحد رموز فن البوب. لقد بنى شهرته على تحويل أشياء عادية – علب الحساء، وصور النجوم، والمنتجات التجارية – إلى أعمال فنية. لم يكن هدفه دائماً خلق الجمال، بل كشف العلاقة بين الفن والاستهلاك. ومع مرور الوقت تحوّلت أعماله إلى أصول مالية تباع بملايين الدولارات.
لكن المفارقة أن كثيراً من الأعمال التي تُعرض اليوم باسم الفن لا تحاول حتى طرح سؤال فلسفي أو جمالي. إنها تعتمد فقط على الصدمة. جثة حيوان، أو غرفة فارغة، أو جسم يومي يوضع في قاعة عرض مع تفسير طويل ومعقّد. بعد ذلك يأتي النقّاد ليكتبوا صفحات من التأويلات حول «المعنى العميق» للعمل.
المشكلة هنا ليست في التجريب الفني؛ فالفن عبر تاريخه كان دائماً مساحة للتجربة وكسر القواعد. المشكلة تظهر عندما يختفي المعيار الجمالي تماماً ويحل محله معيار السوق.
في الماضي، كانت قيمة العمل الفني تتشكل عبر الزمن. اللوحات التي رسمها ميكيل أنجلو أو ليوناردو دافينشي لم تصبح عظيمة لأن أحد الأثرياء اشتراها بثمن مرتفع، بل لأنها حملت رؤية إنسانية وجمالية استمرت قروناً.
أما اليوم، فيكفي أحياناً أن تدخل قطعة ما إلى مزاد كبير، أو أن يتبناها متحف مؤثر، أو حتى أن يتبول عليها فنان مثل وارهول نفسه حتى تقفز قيمتها إلى ملايين الدولارات. في هذه اللحظة تتحوّل إلى رمز ثقافي جديد، لا لأن الجمهور اكتشف جمالها، بل لأن السوق قرر ذلك.
وقد وصف الكاتب الروسي ألكسندر سولجنيتسين هذه الظاهرة بدقّة عندما قال إن الأذواق الحديثة كثيراً ما تُصنع أولاً بواسطة الدعاية، ثم تأتي استطلاعات الرأي لتؤكد أن الناس يحبونها. أي أن الذوق العام لا يتشكل تلقائياً، بل يتم توجيهه ببطء عبر الإعلام والمؤسسات الثقافية.
وهنا يصبح قول دالي أقل غرابة. فالعالم ليس مليئاً بالحمقى بالمعنى الحرفي، لكنه مليء بالناس الذين يثقون بالسلطة الثقافية دون أن يسألوا. إذا قال النقاد إن هذا العمل عبقري، وإذا قالت المزادات إن سعره ملايين الدولارات، فإن كثيرين يفضلون التصفيق بدلاً من التشكيك.
لكن التاريخ يعلمنا أن الزمن وحده هو الحكم النهائي. فالكثير من الأعمال التي كانت تُحتفى بها في عصرها اختفت لاحقاً من الذاكرة، بينما بقيت أعمال أخرى لأن فيها شيئاً يتجاوز الموضة والضجيج.
الفن الحقيقي لا يحتاج إلى عناوين فلسفية طويلة، ولا إلى فضائح دعائية، ولا إلى صدمات مفتعلة. إنه ببساطة قدرة نادرة على تحويل تجربة إنسانية إلى شكل جمالي يلمس الآخرين.
لهذا السبب تحديداً يبقى السؤال مطروحاً: هل ما نراه اليوم في صالات العرض هو فن حقيقي، أم مجرد انعكاس لاقتصاد ثقافي ضخم يبحث دائماً عن الإثارة الجديدة؟
ربما كان دالي محقاً جزئياً. لكن الحقيقة الأهم هي أن الفن، مثل أي مجال آخر، يمكن أن يتحوّل إلى تجارة عندما تختفي المعايير. وعندما يحدث ذلك يصبح الفرق بين التحفة والخدعة مسألة تسويق أكثر مما هو مسألة إبداع.
وفي عالم كهذا، لن يكون من المستغرب أن تتحوّل سمكة قرش ميتة إلى «عمل خالد»… على الأقل إلى أن يقرر السوق اكتشاف صدمة جديدة.
