ليست المخرجة الفلسطينية مي المصري بعيدة في أفلامها عن استعارة “أساطير” شهرزاد في سرد حكاياتها. على الأغلب هي تحتفظ لنفسها بهذا الخط، حتى في أفلامها الوثائقية، وهي مجتمعة الى زوجها السينمائي اللبناني الراحل جان شمعون، أو منفردة في صناعتها، وربما عمَّقت من رؤى شهرزاد كأسلوبية تحقيق درامي من بعد أول فيلم روائي طويل لها، (3000) ليلة، وكل ليلة من هذه الليالي المتدافعة على الشاشة –نظرياً- تحتاج إلى مفتاح في حكاية البطلة ليال التي ستقضي ثماني سنوات في معتقل إسرائيلي، وليس أمامها إلا أدواتها في الإبقاء على شعلة الرواية الفلسطينية متقدة، لا يُراد لها أن تخبو على يد السجان.
علامات مهمة في السينما الفلسطينية
عملت مي المصري حتى اليوم على ستة عشر فيلماً. نصف هذه الأفلام الوثائقية حققتها بالشراكة مع مع زوجها، ثم انفردت بتجربتها كمخرجة وثائقية متمرسة، وقدمت مجموعة من الأفلام مثل: (أطفال جبل النار)1990 و(امرأة في زمن التحدي)1996 و (أطفال شاتيلا) 1998، و (أحلام المنفى)2001، ووصلت إلى فيلمها الروائي الأول بعد طول تأمل سنة 2015، ولم تكن لتقدم على هذه التجربة، لو لم تصل إلى قناعة مفادها، أن الفكرة الروائية قد اختمرت تماماً ونضجت إلى الحد الذي ستقال فيه، وصار لابد من تقديمها في وعاء بصري يتناسب مع إبداعها الوثائقي النوعي الذي قدَّم للسينما الفلسطينية خارج فلسطين مجموعة من الأفلام سيظل يشار إليها من قبل النقاد والدارسين والمهتمين بوصفها إحدى العلامات المهمة في التأصيل والتأريخ لهذه السينما.
مكوّنات الظل والنور
في فيلم (3000 ليلة) لن تكتفي المخرجة الفلسطينية بولوج منطقة خطرة في حسابات ورؤى شهرزاد كحارسة وراوية للحكاية. البطلة محكومة بثماني سنوات، وهي تعادل حسابياً هذه الليالي الطويلة، وان أضفنا لها ليال (اسم البطلة بالطبع)، فإن المعادلة سوف تتقلَّص لحسابها، وهي التي ستدخل في الفيلم من بوابة الظلام لتبدأ بالبحث العسير عن النور، أمل كل سجين قابع تحت رحمة العتمة والتعذيب والجوع وفقدان الحرية أساس وجوده ووجود الإنسان عموماً عبر التاريخ. وحين تميل كاميرا مي المصري للاستئثار بمكونات الظل والنور، فإنها تبدأ بدفع هذه المعادلة الفيزيائية الخالدة إلى الانفتاح المدروس والمكثف على العالم الداخلي لبطلتها الشابة ليال عصفور. الواضح والأكيد أن المخرجة المصري أرادت من عنوان فيلمها أن يكون بوابة أخرى بمفاتيح رمزية مطلاً على تفسيرات لا تنتهي تصهر بداخلها فكرة الزمن الطويل المركب الذي لا يُراد له أن ينتهي مع فكرة الظلام المتقد التي “تبهر” السجَّان وتخذل المسجون، ولكنها هاهنا تتحول تدريجياً إلى طريقة أنثوية في نثر حكايتها، (وهو ما يميّز معظم أفلامها بالمناسبة)، ويجيء صمود البطلة في السجن عبر متسقاً عبر الخيال وعبر ممكنات هذا النثر، فما من أدوات أخرى تعيل المعتقلة ليال على التحرر من لياليها المعتمة إلا بالخيال، وهو يشكل لمن من هم على شاكلتها أعلى سلطة في الحبس الانفرادي أو حتى الجماعي، تفوق سلطة السجان، والسجينات الجنائيات الإسرائيليات المحكومات بجانبها عمداً، وفكرة السجن التي يقوم عليها الفيلم برمته. سوف نكتشف عن طريق النفخ الدرامي المتتابع أن البطلة سوف تضع مولودها (نور) وسيشكل هنا هو المقياس الواقعي للعبة الضوء التي ستقف على نقيض كل شيء، حتى أنها ستحميه من كل أّذى باسمها.
عصفور حجري
نور وليال لعبة ذكية في سرد رواية مي المصري يتيح للأم المعتقلة أن تدرك قوتها الحقيقية من خلال تصوير جسم الوليد الصغير بمكونات الضوء الشحيح الذي يتسلل إلى عتم الزنازين ليغير من جبروت السجان وعسفه. في بعض أجمل مشاهد الفيلم البالغة الدلالة سوف نقع على ذلك العصفور الحجري الذي يسكن في يد الوليد الجديد نور، بما يحمل ذلك من أبعاد رمزية، واستعارات تغذي الفيلم، وعندما يغرق في نومه يتحَّول الحجر نفسه إلى طائر، يطير ويغير من قتامة الجو وسواده. إنه يطير ويعلو ببطلته على أنغام موسيقية لا يمكن الشعور بها إلا حين إفلات العصفور وتحليقه بعيداً. سوف نلاحظ بعد كل ذلك أنه طائر يقع في خلفية كنية البطلة نفسها.
بيروت.. بيروت
وفيما تفكر مي المصري –اليوم- بفيلمها الروائي الطويل الثاني الذي يستعجل الذهاب إلى حيز زمني ماض، ربما من ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وهو على الأغلب حيز وعر وصعب ومعقد، ولن يكون سهلاً التوغل فيه، فالحكاية برمتها بدأت أساساً من هناك، من تلك الحقبة الزمنية العاصفة، وليس أمام شهرزاد سوى روايتها، فإنها قدّمت مؤخراً فيلماً وثائقياً بعنوان (بيروت في عين العاصفة)2021. كان اشتغالاً لبنانياُ خالصاً على ثيمة انقدحت فكرتها أساساً مع حراك شهر أوكتوبر 2019 في العاصمة اللبنانية على خلفية تردي الأوضاع السائدة في البلاد، ومباغتة جائحة كورونا للجميع بعد أشهر من بدء هذا الحراك، الأمر الذي أدى لإجهاضه عملياً، وانكشاف أو توسع حجم دائرة الهزات الاجتماعية والسياسية التي رافقته، وهيمنت على لبنان مع دخوله في أزمات مستفحلة تركت آثارا لا تقل خطورة عن الحرب الأهلية التي دارت رحاها فيه بين الأعوام 1975 – 1990.
ميني ثورة
في الفيلم نقف أمام أربع (شهرزدات) إن جاز التعبير لتقدم كل واحدة حكايتها أمام كاميرا مي المصري، التي غدت أكثر حكمة في تظهير يقينية اللغة السينمائية التي تقترحها كحلول في الكثير من مشاهد الفيلم، لا بل إنها اعتمدت بعض مشاهد (الفيديو آرت) التي جاءت لتغني إيقاعات الفيلم، بتناغم مدهش يناسب ايقاعات الحكاية، وكأنه لم يكن ليتحقق من دونها، بالرغم من بساطتها، إلا أن غناها كان يكمن في التوليف الخلاق الذي رافق حكايات ميشيل ونويل كسرواني، وحنين رباح ولجين، الفتاة العراقية التي عاشت سبع سنوات في بيروت، وامتهنت تصوير الأفلام دون رغبة أهلها.
“تقديم فيلم تسجيلي لا يكتمل من دون موهبة معايشة الأحداث والتروي بإعادة تركيبها.. المصري تتمتع بذكاء المخرج الذي يبحث عن نهاية غير متوقعة.”
لم تقدم المصري بطلاتها في فيلم عن الثورة الشبابية في لبنان. هي قالت إنه حراك، فيما وصفته لجين بأنه (ميني ثورة)، وأياً تكن تسميته، فإن ما حدث في الرابع من آب 2020 من تفجير هائل في مرفأ بيروت تعدَّى أحكام وأخلاقيات كورونا نفسها، وجاء ليضع خاتمة هادئة وحزينة و”ملتبسة” للفيلم، شكل الزاوية الثالثة في السرد الوثائقي لفيلم ذكي اتكأ في معالجة حكايات بطلاته على الحراك الأهلي، وكورونا، والتفجير، وهي زوايا يمكن صناعة فيلم مهم منها، وهذا ما فعلته كاميرا مي المصري حين بحثت عن نهاية غير متوقعة لفيلمها، ويمكن القول إن المصري تتمتع بذكاء المخرج الوثائقي الذي يعرف أن تقديم فيلم تسجيلي لا يكتمل من دون موهبة معايشة الأحداث والتروي بإعادة تركيبها. ربما فاجأها الحراك، وكان عليها أن تستوقفه حتى تلحق بالفيلم، لكن هذا مستحيل نظرياً. الحراك يستمد اسمه من الحركة، ولا أحد يمكنه أن يوقفه، لهذا بحثت بسرعة عن بطلاتها، لكن كورونا التي غيَّ رت وجه المجتمعات البشرية، غيرت كذلك من سلوك بطلاتها. غيرت من حجج شهرزاد في الاستمرار بحكاياتها، فبيروت كانت على موعد مع تفجير هائل، لاهو قنبلة نووية تكتيكية صغيرة، ولا مجرد أطنان من نترات الأمونيوم كانت مخفية في المرفأ. ليس هذا كله: إنه الاحتباس النفسي الذي يهدد الجميع، ويضع الجميع في عين عاصفة قد تضرب في أي وقت من حيث لا يتوقع أحد.
