في المشهد الثقافي البلغاري، يبرز اسم المستشرقة البلغارية مايا تسينوفا ليس فقط كأكاديمية تتقن لغة أجنبية، بل كظاهرة إنسانية وفكرية استثنائية. مايا، التي وهبت حياتها للغة الضاد، لا تزال حتى اليوم تمارس دورها كراهبة في محراب الأدب العربي، مكرسةً جهدها لتقريب المسافات بين الوجدان العربي والقارئ في قلب البلقان.
عشق العربية.. من مقاعد الدراسة إلى الأستاذية
بدأت قصة مايا تسينوفا مع اللغة العربية من جامعة صوفيا، حيث لم تكتفِ بتعلم القواعد والنحو، بل غاصت في روح اللغة وبلاغتها. هذا الشغف قادها لتصبح واحدة من أهم أساتذة الترجمة والأدب العربي في الجامعة، حيث أشرفت على تخريج أجيال من المستشرقين البلغار الذين نهلوا من معرفتها العميقة بالثقافة العربية. بالنسبة لمايا، العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي “وطن اختياري” تسكنه وتدافع عن تفاصيله بضراوة المثقف العضوي.
صوت فلسطين في قلب صوفيا
تعتبر تسينوفا من أبرز المدافعين عن عدالة القضية الفلسطينية في أوروبا الشرقية. لم يكن انحيازها لفلسطين سياسياً عابراً، بل نابعاً من إيمان عميق بالأدب المقاوم. لقد كانت الجسر الذي عبرت من خلاله أشعار محمود درويش وروايات غسان كنفاني إلى اللغة البلغارية. من خلال ترجماتها الرصينة، استطاع القارئ البلغاري أن يلمس وجع “الخروج” في أعمال كنفاني، وعمق الرمزية في دواوين درويش، مؤكدةً دائماً أن الأدب هو أصدق وثيقة تاريخية للشعوب.

“وحشة اسمها الوطن“: أنطولوجيا الإبداع النسائي
من أهم المحطات في مسيرة مايا تسينوفا الحافلة، مشروعها الذي تُرجم تحت عنوان “وحشة اسمها الوطن“. في هذا العمل، لم تقدم مايا مجرد نصوص مترجمة، بل قدمت أنطولوجيا شاملة تضم نصوصاً لأربعين كاتبة فلسطينية. استطاعت من خلاله تسليط الضوء على هواجس المرأةالفلسطينية، وصراعات الهوية، والارتباط بالأرض، مما جعل هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في المكتبة البلغارية لفهم التنوع الثقافي العربي والفلسطيني بعيداً عن القوالب النمطية.
الدبلوماسية الثقافية: القاهرة وصوفيا
تجربة مايا لم تنحصر في أسوار الجامعة، بل امتدت لتشمل العمل الدبلوماسي الثقافي، حيث تركت بصمة واضحة أثناء عملها في السفارة البلغارية بالقاهرة. هناك، انخرطت في النسيج الثقافي المصري، وشكلت صداقات متينة مع كبار الأدباء والمفكرين، مما جعلها “سفيرة فوق العادة” للثقافة العربية في بلدها، وسفيرة لبلغاريا في قلب القاهرة.
عطاء مستمر وشعلة لا تنطفئ
تواصل المستشرقة البلغارية مايا تسينوفا اليوم مسيرتها الإبداعية، مؤمنةً بأن الكلمة هي السلاح الأقوى في مواجهة الجهل والإقصاء. وصيتها الدائمة لطلابها ولمحبي الأدب “لا تسكتوا أبداً“، تظل شعاراً لكل من يبحث عن الحقيقة والجمال. إن حضورها اليوم كقامة فكرية حيّة يمثل ضمانة لاستمرار الحوار الحضاري، وتذكيراً دائماً بأن الجسور التي تبنيها اللغة والترجمة هي وحدها القادرة على الصمود في وجه التحوّلات الكبرى.
