لم يعد الأب على قيد الحياة. لقد فارقها بعد شهور من دخوله الغيبوبة، لكن سيكون بمقدوري طرح السؤال على الأم حين ألتقي بها، فهي من ألبستني هذا الفستان المزركش، وأنا في الثانية من عمري، وسرَّحت لي شعري على نحو مشابه للفتيات. وإن أردت أن أكون دقيقاً، فإن ذلك حدث في بغداد قبل أزيد من نصف قرن. هذه الصورة صارت تحمل معنى آخر عندي بعد ولادة ابنتي الثانية (غزل)، وأحسب أنه سيكون من الصعب على الآخرين التمييز بين صورتي، وصورة فوتوغرافية لها بنفس التسريحة.
في العام ١٩٨٢ تمَّ ترحيل عائلتي إلى إيران، وشكَّل هذا الحدث المأساوي في تاريخي الشخصي والعائلي، صدمة كبيرة، وأعتقد أن هذا الحدث حرمني تماماً من طرح أي سؤال يتعلق بتفاصيل صورة فوتوغرافية هي الأقدم في ألبومي الشخصي، والأحبُّ إلى قلبي، إذ لطالما “تألقت” الأم في سرد التفاصيل المهولة لما حدث لنا أثناء التهجير، مع أنها ظلّت تتحاشى سرد أي حكاية عن صورتي هذه.
ربما يغري استذكار تلك الحياة الهانئة بالتشبث بوهم العودة إلى فردوس مفقود. لعلها القناعة الضمنية المشتركة لدى أفراد العائلة: مسقط الرأس ماضيه فردوس، وحاضره دم وخرائب، وكل التفاصيل اللازمة لتأثيث جحيم يفوق في بشاعته جحيم السرديات الغيبية.
