ما الذي تبحث عنه أيها الطفل في هذه الطريق الطويلة؟
أراك كما كنت يوماً: دهشة ترتجف أمام العالم، ليست ماضياً عابراً، بل أصل وعي يتشكّل. طفولتي، في الأفندي، ريف الطفولة، فضاء نقي، رائحة الأرض بعد المطر، أصوات الطيور في الصباح، حفيف الحقول، وبراءة الأشياء قبل أن تمسها تعقيدات الحياة، وتلمسني أشعة الشمس الدافئة. هناك تتشكّل الدهشة قبل السؤال، والوعي يولد من الامتلاء لا النقص.
أستعيدك الآن، لا كذكرى، بل كأصلٍ معرفيٍ سابقٍ عليّ. كنتَ تعيش العالم قبل أن يتحوّل إلى مفهوم. لم تكن الأشياء تحتاج تفسيراً، حضورها كان كافياً ليمنحها معناها.
يا طفلي البعيد، كيف كنت ترى هذا العالم قبل أن أثقله أنا بالمعاني؟ كنتَ تستمع أكثر مما تفكر، وتلمس أكثر مما تسأل، وتعرف أن الصفاء موجود في البساطة، وأن الدهشة بداية كل شيء.
وفي لحظة التيه القصوى، حين تتكاثف الأسئلة وتثقل الروح، لا يُنسي تعب الطريق إلا اندفاعٌ صافٍ كطِرادِ مهرةٍ لا يعرف الالتفات. هناك أستعيد نباهتي، وأفهم أن الفهم لا يُمتلك بل يُعاش، وأن جوهر الحياة ليس فيما نفقده، بل فيما يبقى حياً في أعماقنا، في صمت الطفل البعيد وهمسه الأول.
