حنكة روبن أوستلوند
روبن أوستلوند، مخرج سويدي لا يخفي تبرَّمه من انغمار برغمان، ليس في أفلامه وحسب، أي تلك التي تمتلك رؤى مختلفة تماماً عنه، بل ويشطح أبعد من ذلك، وهو لا يخفي أبداً شطحاته الكوميدية التي غالباً ماتظهر في تعليقاته اللاذعة، كما هو الحال في كل أفلامه، حتى عندما يُسأل عنه في الصحافة والإعلام. في فيلم وثائقي للمخرجة والممثلة الألمانية مارغريتا فون تروتا بعنوان (البحث عن انغمار برغمان) 2018، ظهر أوستلوند فيه، وهو يبدي ضيقه من توجه تروتا إليه، لتسأله عن مخرجها الأثير (المعلم) برغمان، وقال مازحاً وضاحكاً ومماحكاً (في الفيلم) إنه يفضّل عليه بو ويدربيرغ، وروي أندرسون، ويفضّل أن تسأله عنهما!.
كلايس أولي روبن أوستلوند مخرج، وكاتب سيناريو، ومونتيير، ومنتج سينمائي. ولد في 13 نيسان 1974 في أرخبيل غوتنبرغ، جنوب غرب السويد.
من جبال الألب إلى أضواء “كان”
نشأ في مدينة ستيرسو، حيث كان يندر تساقط الثلوج، التي لا يخفي عشقه لها، وسوف تظهر بقوة في واحد من أقوى أفلامه، لذلك كان يمضي الشتاء في هاباراندا. وبعد المدرسة الثانوية، أصبح مدرباً للتزلّج في جبال الألب. ومن هناك بدأ بتصوير الإثارة المتأتية من حركات التزلّج، ويقوم بعرضها لأصدقائه، وبدا واضحاً دون أدنى شك أنه يمتلك موهبة في ذلك – لدرجة أن شركة إنتاج سينمائية قامت بتعيينه مصوراً لديها، وأصبح يمدَّها بالمزيد من الأفلام المصوّرة بشكل دوري ومنتظم.
أثناء عمله في هذه (الجرائد السينمائية) كان عليه أن يواصل تصوير أعمال التزلّج المثيرة لمدة خمس سنوات، وقد تمَّ تجميعها فيما بعد في أفلام حظيت ببعض الاهتمام، وان لم يتناولها النقاد السينمائيون بشيء من التقريظ والإعجاب النقديين.
بعد تلك الوظيفة (المديدة نسبياً)، تدرَّب كمخرج سينمائي في جامعة غوتنبرغ (قسم التصوير والإخراج السينمائي)، حيث قام خلال السنوات الثلاث التي قضاها أثناء دراسته بإخراج فيلم وثائقي تمَّ ترشيحه لجائزة الخنفساء الذهبية، وهي جائزة سينمائية مرموقة تُمنح سنوياً، للإنتاج السينمائي في مختلف المجالات في السويد.
بعد ثلاث سنوات من التدريب الاحترافي، ظهر للمرة الأولى كمخرج مستقل في عام 2004 مع فيلم (الغيتار المنغولي). حظي الفيلم باستقبال متباين، إن لم يكن فاتراً بعض الشيء، ولكن تمَّ ترشيحه لجائزة أحسن فيلم في دول مجلس الشمال. ويعتقد النقّاد أن الفيلم الذي شكَّل انعطافة في مسيرته الإبداعية والسينمائية تجلَّت في إنجازه الكبير الذي جاء بعد أربع سنوات. فيلم (اللاإرادي)2008، والذي لم يصبح الفيلم المفضل عند النقّاد في السويد فحسب، وإنما حظي باهتمام نقدي منقطع النظير خارج بلاده، وقد شارك به للمرة الأولى في مهرجان كان.
لكن فيلمه القصير (حادثة البنك) 2009 الذي حاز جائزة الدب الذهبي للأفلام القصيرة في مهرجان برلين رفع كثيراً من أسهمه ك(معلم) جديد قادم على طريق سينما مبهرة وأخاذة وقادرة على قلب المفاهيم السائدة في صناعة الأفلام بلقطة واحدة.
اتهام بالعنصرية
و لم يكن الأمر مفاجئاً للنقّاد عندما عرض فيلمه الثالث Play)) 2011 لأول مرة في مهرجان كان، وحصل أيضاً على مساحة كبيرة من الأعمدة في الصحف السويدية، انقسم من حوله النقّاد، وتراشقوا فيما بينهم، وقد اعتبره البعض منهم “مخرجاً عنصرياً” يواجه أطفال الضواحي في مدن السويد من الأفارقة ب(وجه الأبيض القبيح المتفوّق)، وفي نفس الوقت حصل أوستلوند على جائزة الخنفساء الذهبية كأفضل مخرج عن فيلمه هذا. لم يتوقّف أوستلوند عند هذه (الاتهامات) وظلَّ يردد أنه كان يريد أن يرى المضَطَهَد كيف يمكن أن يستخدم أدوات القمع التي عادة يستخدمها ضده من يضطهده.
في عام 2014، صوَّر فيلمه الرابع (السائح)، وقبل أشهر من العرض الأول، دار الحديث عن مشهد الانهيار الثلجي الكبير، وقد وصفه البعض ربما بشيء من المبالغة، بأنه المشهد الذي لا يتكرر في تاريخ السينما، لجهة دقة تنفيذه. حصل الفيلم على ترشيح لجائزة غولدن غلوب، ورشحته السويد لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وحطَّم الأرقام القياسية لجائزة الخنفساء الذهبية التي يمنحها معهد الفيلم السويدي سنوياً، وكان ذلك في سنة 2015.
“الميدان” و”مثلث الحزن”: تشريح قسوة الحداثة
مع كل ما سبق، بدا واضحاً أن روبن أوستلوند، إنما كان يضع السينما السويدية على سكة مغايرة، بجرأة منقطعة النظير، وما إن جاء العام 2017 حتى حصد فيلمه (الميدان) سعفة كان الذهبية.
لاشك أن (الميدان) قد وضع المشاهد الذكي على درجة عالية من الاستغراب حين أخذ يكتشف أن الخطوط الرئيسية فيه تكاد تفلت من يد صنّاعه في بعض اللحظات، إلا أن هذا الشعور العرضي سرعان ما تبدد مع تطور أحداثه في نوع من التشويق النادر في الفن السابع عموماً، وهو نوع ينافس بجدارة على التأسيس لاتجاه يجمع بين السريالية الاجتماعية والكوميديا التي تعمل على فضح ما هو مستور في المجتمعات الحديثة قبل أن تنقسم على وقع الأمراض المستعصية التي جلبتها معها الحضارة الحالية.
ليس (الميدان) فيلماً ناقداً من هذه النوعية التي يجري ترسيمها وفق الذائقات التقليدية، وكل ما تردد عن “تطلّب” أوستلوند في إعادة تصوير بعض المشاهد أكثر من مئة مرة قد لا يعود مهماً، وان بدا أن هذا الأمر مكلفاً ومستفزاً للأخلاق والأعصاب، إلا أن النتيجة جاءت لحساب الفيلم الذي انتزع – بجدارة – السعفة الذهبية.
يروي الفيلم قصة كريستيان (لعب دوره الممثل الدنمركي كليز بانغ) مدير متحف الفن الحديث في ستوكهولم الذي يخطط لإطلاق معرض (الميدان) الذي يجب أن يذكر الناس بالاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية في ظل عالم شديد القلق والتوتر، بحيث يمكن أن يتحوّل حادث تافه مثل سرقة هاتفه المحمول في وضح النهار إلى قضية شديدة التعقيد يمكن أن تقود الفيلم في اتجاهات بالفعل في غاية الغرابة إن جاز التعبير، و مع سعي المدير لمعرفة السارق، ومع تعقّد الخطوط الرئيسة يصبح على الناقد أو المشاهد، أو حتى كليهما معا الكشف عن البوصلة الأخلاقية التي تقود وتحرك هذا الشخص الناجح، وهو يعتمد كلية على تنشيط وكالة الدعاية المستأجرة لتحقيق أهداف لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريقها، وإلا فإن الفن الحديث الذي يرعاه متحف كلي القدرة مهدد بالخطر. بعبارة أخرى هي أزمة الإنسان المعاصر، وأزمة الفنون الحديثة نفسها المعرّضة للانهيار، وهي القائمة أساساً على نوع من التدليس البصري النشط.
البوصلة الأخلاقية في سينما أوستلوند
مع فيلمه (مثلث الحزن) الذي حصد سعفة كان الذهبية للمرة الثانية في 2022، فإن روبن أوستلوند بدا شديد القسوة في تفكيكه لسنوات الحداثة التي صار يمر فيها أبطاله، وكأن التصويب عليهم بالهجاء والسخرية، إنما هو سلاح معكوس بيد هؤلاء الأبطال، وموجّه بدقة نحو صدور المشاهدين.
أي ذكاء هذا الذي يصنع فيلماً بهذا القالب النقدي “غير الرحيم”؟!. بات علينا هنا أن نقول إن حنكة أوستلوند، إنما كانت تتجلَّى في لقطاته الواسعة التي تصبح ميداناً مفتوحاً على كل وجهات النظر في عالمي الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء، لكشف كل ما هو زائف في العلاقات الإنسانية التي صارت تميّز هذه الحضارة الحديثة.