في بدايات تعلّمي الموسيقى أدركت منذ الوهلة الأولى أنه من الصعب أن يولد المرء في ظل وجود عمالقة دون أن تبتلعه عباءتهم. هذا بما يخص أي مقبل على تعلّم الموسيقى والبحث والاستقصاء، لكن ظاهرة زياد الرحباني استدعت على الدوام قولاً آخر، إذ لم يكن مجرد غصن في شجرة الرحابنة الوارفة، بل كان تمرداً موسيقياً أعاد صياغة الهوية الموسيقية اللبنانية والعربية. فبينما كان صوت فيروز يشكل الذاكرة الجماعية، بزغ فكر زياد المستقل ليجمع بين الحداثة والعمق، والبساطة والجرأة. وفي “ميس الريم”، لم يكتب زياد مجرد مقدمة موسيقية، بل أعلن عن ولادة “حالة” فنية لم تعرف المهادنة الموسيقية مع عائلته أو مع أي من أقرانه قط.
في عام 1975، قدَّم الأخوان رحباني (عاصي ومنصور) مسرحيتهما الشهيرة “ميس الريم”. ورغم أن العمل كان ينبض بروح المدرسة الرحبانية الكلاسيكية، إلا أن المقدمة الموسيقية كانت بمثابة “صدمة”، كما أنها تيار كهربي صاعق، إذ جاءت مختلفة، غريبة، لكنها قريبة من الروح بشكل مذهل، سهلة الحفظ، وبسيطة في معمارها الموسيقي. كانت تلك المقدمة بتوقيع الشاب آنئذٍ، زياد الرحباني، بمثابة الانعطافة المفصلية التي أثبتت أنه مؤلف موسيقي لا يسير مع الرحابنة في نسق واحد.
التشريح الموسيقي للعبقرية
تتجلَّى عبقرية زياد في “ميس الريم” من خلال بناء لحني ذكي يعتمد على أربع أفكار أساسية، تبدأ بأسلوب “السؤال والجواب” عبر البيانو في مقطع بسيط ظاهرياً لكنه غني تعبيرياً، ثم ينتقل بنا إلى روح “البلوز” الشرقية، حيث وظّف زياد هذا اللون الغربي بذكاء عبر “ثيم” موسيقي يعتمد على التكرار والإجابة اللحنية. وفي فكرته الثالثة، يتلاعب بالتوتر والاستقرار من خلال التركيز على النغمة الخامسة للسلّم الموسيقي، قبل أن يختتم بمقطع رابع يتسم بالثبات الكلاسيكي الرصين.
من 3 دقائق إلى 13 دقيقة: تحدي الملل
لكن ذروة العبقرية لم تكن في النسخة المسرحية القصيرة، بل في النقلة المذهلة التي قام بها زياد عام 1978، فبينما كانت المقطوعة الأصلية لا تتجاوز 3 دقائق، أعاد هو توزيعها لتصبح ملحمة موسيقية تمتد لـ 13 دقيقة كاملة. وباستخدام نفس الأفكار الأربع فقط، وبإدخال آلات معاصرة مثل “الدرامز” و”الباص غيتار”، استطاع بناء صرح موسيقي متطور يشد المستمع من النوتة الأولى وحتى الأخيرة دون ذرة ملل، مؤكداً أن العبقرية الحقيقية تكمن في كيفية توظيف القليل من الأفكار بأقصى عمق وإحساس.
إن تجربة زياد الرحباني في “ميس الريم” لم تكن مجرد لحن ناجح، بل كانت هندسة عبقرية لفكر موسيقي جديد، استطاع أن يخرج من خلالها من عباءة الرحابنة بموهبة متفردة، ليصنع لنفسه عباءة خاصة أعتقد أنها ستظل تتسع عبر الأزمان لكل محبي الفن الرفيع.
