تكشف أزمة انخفاض معدلات الإنجاب في السويد عن مأزق بنيوي يتجاوز الأرقام الديموغرافية، ليمس جوهر النموذج الاجتماعي والاقتصادي القائم منذ عقود. فحين ينخفض معدل الخصوبة إلى مستويات تاريخية، تصبح الهجرة وسياسات الأسرة عنصرين حاسمين في أي نقاش حول المستقبل.
لطالما عُوّض النقص السكاني في السويد جزئياً عبر الهجرة، التي أسهمت في سد فجوات سوق العمل، خصوصاً في قطاعات الرعاية الصحية، الصناعة، والخدمات. غير أن الاعتماد على الهجرة وحدها لم يعد حلاً مستداماً، لا سيما في ظل تشديد سياسات اللجوء والإقامة، وتصاعد الخطاب السياسي الذي يربط الهجرة بالأعباء بدل الفرص. فعدم الاستقرار القانوني، وصعوبة لمّ الشمل، وتراجع الأمان الاجتماعي، كلها عوامل تقلل من رغبة الأسر المهاجرة في إنجاب الأطفال، وتضعف اندماجها طويل الأمد.
في المقابل، تُظهر الأزمة أن سياسات الأسرة الحالية لم تعد كافية. فارتفاع تكاليف السكن، وضغوط سوق العمل، وعدم التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، تجعل قرار الإنجاب أكثر تعقيداً، سواء لدى السويديين أو المهاجرين. وتشير التجارب الدولية إلى أن السياسات الصديقة للأسرة — مثل دعم رعاية الأطفال، مرونة العمل، وضمان الأمان الاقتصادي — تلعب دوراً حاسماً في رفع الخصوبة.
إن معالجة الأزمة الديموغرافية تتطلب مقاربة مزدوجة: سياسات أسرية شاملة تشمل الجميع، وسياسة هجرة مستقرة ترى في المهاجرين جزءاً من الحل لا استثناءً مؤقتاً. دون ذلك، ستبقى الأزمة تتعمّق، بصمت ولكن بثمن باهظ.