لم يكن صباح غوتنبرغ عادياً اليوم، ففي اللحظة التي لامست فيها أولى ندفات الثلج شوارع المدينة، بدا الأمر لأول وهلة، وكأن طبقة من البياض تُعاد كتابتها على وجه الزمن. يقيناً أن للثلج في هذه المدينة معنى يتجاوز الطقس ذاته. إنه رمز للطمأنينة، لفرصة صغيرة كي يتوَّقف العالم عن الركض، ولو للحظات، ويمنح الناس فرصة للتأمل في ما هو أعمق من البرد والمطر والسماء الرمادية.
البياض الذي يغمر الشوارع الآن يحمل في داخله قدرة مدهشة على بث الأمل. وكأن كل ندفة ثلج تقول: ما زال في هذا العالم مكان للنقاء، ما زال في قلب الإنسان قدرة على أن ينتصر لأخيه الإنسان، وأن يرى في الطبيعة رسالة تهدّئ القلق، وتفتح نوافذ الرجاء بمستقبل أكثر إشراقاً وعدلاً ودفئاً.
ولأن ذاكرة المدن لا تنام، فقد استعاد أهالي غوتنبرغ بالأمس ذكرى عاصفة 1995 الشهيرة، حين شلّت الثلوج المدارس والمواصلات أربعة أيام متواصلة، ورغم قسوة الطقس حينها، تحوّلت الطرقات إلى مسارات للتزلج، وخرج السكان بأحذيتهم الخاصة، ووجوههم المبتسمة يملؤون الشوارع حركة، وضحكاً، ودفئاً بشرياً يميز ساكنة هذه المدينة العامرة بأهلها.
اليوم، حين نزل الثلج لأول مرة هذا العام، وانزاحت ستائرنا عليه، عاد معه شيء من تلك الروح، روح جماعية متقدّة تقول إن الشتاء قد يشتد، لكن القلب الإنساني أدفأ من أي عاصفة، والبياض قادر دائماً على أن يكتب بداية جديدة.