في مدينة لا تتوَّقف عن تغيير جلودها مثل ستوكهولم، يصبح الماضي نوعاً من الترفيه. ومع ذلك، لا يتردد متحف ثيل في تذكيرنا بأن التاريخ ليس مجرد حفل بهيج. وبمناسبة مرور مئة عام على تأسيسه كأحد أهم متاحف الفن في الشمال الأوروبي، قدّم المعرض الاحتفائي الجديد “الحياة الحلوة” رؤية نافذة إلى تلك المنطقة الغامضة التي تقف بين نشوة الليلة وثقل صباحها.
إنه معرض يحتفي، لكنه في الوقت ذاته يعرّي.
يدعونا للضحك، لكنه يوقظ فينا شيئاً حزيناً، نتهرّب من رؤيته في المرآة.
على الجدران، تتجاور قاعات الاحتفال الشعبي: سيرك، سباق خيل، أقنعة وملامح مرحة. لكن المعرض لا يقدّم تاريخ الترفيه كأرشيف للبهجة؛ بل كحكاية للجسد حين يُنهك من اللعب.
“اليوم التالي” لإدفارد مونك — تلك المرأة المنهارة، المعنَّفة، بعد سهرة حارّة — تجسّد ثنائية اللذة والندم. (صرخة) مونك الشهيرة لا تُسمَع هنا… بل تُلتهم في رغبة جسد يبحث عن “كباب” يعيد توازنه.
فنحن — وفقاً لمونك — نحتفل كي لا نسمع صراخ أرواحنا.
في لوحة أكسل تورنمان “مقهى الليل”، يذوب البشر في شعاع قاتم و مُرّ، وجوه تترنّح بين فرح مصطنع وغرقٍ صامت. جمهور قد يحتاج إلى اختبار طبّي قبل أن يعود لمواجهة الحقيقة.
ربما الصدمة الكبرى تأتي من الفنان غوستا فون هينينغز، الذي يبعثه المعرض من النسيان ليقدّمه كعرّاف مرعب للعصر الحديث:
رقصٌ بلا حياة
جمهور بلا ملامح
بهجة تتجمّد في لحظة ما
في لوحته “إنه ميت”، ينهار رجل وسط القاعة، فيما يقف مهرج أبيض القناع، وكأنه يسأل:
“كم مرّة ماتت أرواحنا، ونحن نضحك خوفاً من الصمت؟”.
وجوه الجمهور في أعماله قريبة من عالم جيمس إينسور – أقنعة تبتسم… لكنها لا ترى. إنه ليس فناً عن التسلية، بل عن هشاشة الإنسان حين يحاول التظاهر بأنه سعيد.
جسدٌ حقيقي ووجوه بلا حضور…
لوحة أوجين يانسون الأخيرة “مشهد السيرك” مكتوب عليها وصية كاملة:
الجمهور ظلّ
الأبطال لحم وعظم
الحياة مسرح من دون أعين تنظر حقاً
الأجساد هنا تتعرّى من قدسيتها الفنية التقليدية، تعود إلى حقيقتها المتعبة، الثقيلة، المتناقضة، فاللحم يذكّرنا بأن الموت ليس بعيداً، حتى ونحن نحتفل.
سؤال المعرض:
ماذا نفعل بالزمن الذي يطاردنا؟
في الخلفية يهمس بودلير-الشاعر الذي جعل من (السكر) فلسفة حداثية:
كي لا يسحقكم الزمن… اسكروا!
اسكروا بالخمر، بالشعر، بالفضيلة… أو بما تشاؤون!
لكن السؤال الذي يتركه المعرض مُعلّقاً:
هل السكر – بكل أشكاله – خلاص مؤقّت، أم تأجيل للخسارة؟
الاحتفال ليس هروباً من الحياة، بل محاولة شرسة لترويضها.
نقترب من الحافة كمن يقول للقدر:
ما زال لديّ وقت لأرقص، حتى لو انهارت ركبتاي غداً.
الحياة حلوة، لكن طعمها يظلّ معقّداً
يقدّم معرض “الحياة الحلوة” درساً لا يشيخ:
اللذة هدية، لكنها مؤقتة.
الحزن حقيقة، لكنه ليس نهاية.
وبينهما، يعيش الإنسان:
راقصاً، متعباً، عاشقاً، باكياً،
ومصرّاً على أن يمنح لحياته ما يكفي من الضوء
قبل أن تنطفئ الموسيقى.
***
أسئلة للنقاش مع القرَّاء في الشارع الخامس:
هل نضحك لأننا سعداء، أم لأن البديل أكثر رعباً؟
هل يمكن للفن أن يعالج جروح ما بعد المتعة؟
وهل نحتاج -أحياناً -إلى “كباب” أكثر من حاجتنا إلى “صرخة”؟
أتركوا أجوبتكم هنا!!!
