(رسالة إلى قاتل متسلسل) 2017 للمخرجة السويدية من أصل فلسطيني منال المصري (60 دقيقة) يحمل بصمة إخراجية واضحة في معماره الوثائقي، وهو من إنتاج مشترك بين عدة جهات منها مؤسسة الفيلم السويدي، التلفزيون السويدي، ومؤسسة سكونا للإنتاج السينمائي.
المصري تتبع أثر القاتل المتسلسل بيتر ماغنس، والسبب في ذلك أن هذا التعس سبق له وأطلق خمس رصاصات على شقيقها كمال في 24 تشرين الثاني 2006 حين كان متوجهاً للعب كرة القدم مع أصدقائه في مدينة مالمو (جنوب السويد)، وشاءت الأقدار أن ينجو بأعجوبة على يد جرَّاح سويدي يظهر كثيراً في الفيلم ليروي أشياء متفرّقة عن الحادثة.
بالطبع لم تقف الصحافة السويدية حينها أمام الجريمة مكتوفة الأيدي، بل على العكس قامت بملاحقة ذيولها ونتائجها عن طريق الاستعانة بخبراء ومحللين جنائيين يظهر البعض منهم أمام الكاميرا ليسرد شيئاً عن “العنصرية المقيتة” الغائرة في بعض النفوس. والنتيجة بالطبع ربط هذه الحادثة بجرائم أخرى وقعت في المدينة المشهورة، وطالت أكثر من عشرين شخص في مدة قصيرة نسبياً. وإذ تشغل المخرجة منال المصري نفسها بعناء كتابة رسائل عدة إلى القاتل “المتسلسل” ماغنس على مدى عامين من دون جدوى، فإن الفيلم يكثف بحذق من عمليات تأويل صورة هذا النوع من القتلة الذي يعشش في أذهان الكثيرين، ومنهم بالطبع المخرجة المصري، ذلك أن التصوير المتقطع على فترات طويلة ساعدها في تبئير رؤيتها وجلائها لحادثة مقتل شقيقها. على أن الكتابة بحد ذاتها إلى “الكائن التعس” ماغنس تتحوّل إلى أسلوبية عند منال المصري تنطلق منها إلى معالجة العنصرية نفسها كمفهوم وطريقة في التفكير في الوقت الذي نشهد فيه على أن شقيقها كمال المصري (27 عاماً) يحاول أن يعيش حياته، أو لا يكف عن أن يتعايش مع ذكرى أليمة بعيداً عن “عنوان” القاتل، لا بل أنه لم يشغل باله به في الفيلم.
صار معلوماً أن محاولة القتل وضعت عائلتها على مدى الأعوام الماضية في حالة من عدم اليقين حول السبب الحقيقي لاستهدافه، ولم يكن قد بلغ السادسة عشرة من عمره، أي أن فكرة تكوين أعداء من حوله مستبعدة تماماً في هذا العمر الغض نسبياً. بالطبع أوحت بعض الإشارات الجانبية من جانب بعض الصحافة بأن الأب جمال المصري في حينه كان على صراع مع بعض العصابات الإجرامية في المدينة، وأن محاولة قتل نجله ليست أكثر من رسالة له. بالطبع ليس هناك ما يوحي أو يؤكد هذه الفرضية العبثية إلى حدٍ كبير.
حاولت المصري ونجحت في بلوغ قراءة بصرية متعمقة في عالم الشر الذي يشكله القاتل المتسلسل في هذا الفيلم. راسلته على مدى عامين، وكان يرد في بعض الأحيان على بعض الرسائل، وان دعا المخرجة المصري في أحد ردوده له إلى أن تدرك عمق الأشياء بنفسها إن أرادت ذلك، وترك الباب أمامها مشرعاً على مديح “هتلر الذي لا ينحني لأحد”.
(رسالة إلى قاتل متسلسل) فيلم وثائقي مصنوع بدربة وحرفة عاليتين، هذا أمر لاشك فيه، حمل أجوبة مهمة عن مراسلات استمرت وقتاً طويلاً مع قاتل متسلسل، وتوَّجته بذرة واضحة في الاختلاف والسرد عن أفلام وثائقية كثيرة تعرض (اليوم) هنا وهناك.
