أحياناً لا تعود الذاكرة على هيئة صور واضحة ومتتالية، بل تتجلّى كأثرٍ صدئٍ على معدن قديم، أو كضبابٍ ركامي يهبط ببطء فوق الساحل الغربي لبحر الشمال.
قبل ثلاث سنوات تقريباً، كنّا مجموعة من طلاب الفن المستدام في المدرسة الشعبية العليا نتجه بثلاث حافلات كبيرة نحو حديقة النحت في بيلاني غرب غوتنبرغ، لمشاهدة معرض بعنوان “الجذور”، لكن الاسم الذي كان يتردد في الطريق أكثر من أي شيء آخر لم يكن اسم المعرض، بل اسم الفنان الصيني المعارض آي وي وي.
كان حضوره المتخيَّل يسبق حضوره الحقيقي. الجميع يتحدَّث عنه كما لو أنه ظاهرة سياسية أكثر منه فناناً. حتى إدارة الحديقة، ممثلة بمديرها بيتر لينبي، لم تكن تخفي حماستها للرجل الذي وصفه بروشور المعرض بأنه “أحد أهم الفنانين الأحياء في العالم المعاصر”. أما الفنانون الآخرون المشاركون، فعلى أهميتهم، فقد بدوا كأنهم يتحرَّكون في الهامش البعيد من ظلّ هذا الاسم الثقيل.
مشهد من رواية اسكندنافية قديمة
حديقة بيلاني نفسها ليست حديقة عادية. إنها منطقة رعي مفتوحة على البحر والجبال والضباب، مكان يبدو كأنه خرج من رواية اسكندنافية قديمة أكثر مما خرج من مخطط عمراني. هناك، يمكن للزائر أن يتنقّل بين المروج والمنحدرات الصخرية، فيما تمتد أمامه زرقة بحر الشمال وأرخبيل بوهيسلين البارد. وفي قاع الوادي تنتصب منحوتة “آنا” للفنان الإسباني الشهير جاومي بلينسا، بارتفاع أربعة عشر متراً، ككائن هائل يراقب الساحل بصمت.
لكن كل ذلك بدا يومها مجرد تمهيد للوصول إلى “السحليات” العملاقة التي أنجزها آي وي وي من جذور أشجار ميتة اقتُلعت من غابات البرازيل. كانت أعماله تبدو كما لو أنها خرجت من كوابيس بشرية قديمة: هياكل متآكلة، ملتوية، تشبه زواحف ما قبل التاريخ وهي تزحف نحو انقراض بطيء. قال لينبي حينها إن الفنان أقام فترة طويلة في غابات البرازيل، وهناك تعرّف إلى “كوابيسه الخاصة”، قبل أن ينقلها معه إلى برلين ثم إلى العالم.
في ذلك اليوم الماطر من أيار، كان السويديون يترقّبون حضوره الشخصي بشغفٍ واضح. بالنسبة إليهم لم يكن مجرد فنان صيني معارض، بل أيقونة عالمية تتحدّى السلطة الشيوعية بإصبعها الوسطى أينما ذهبت. رجل عاش طفولته في معسكرات العمل الإجباري بعد نفي والده الشاعر آي تشينغ بأمر من ماو تسي تونغ، ثم تحوّل لاحقاً إلى أحد أشهر الأصوات المعارضة للنظام الصيني في العالم.
الفن الطليعي الصيني
كانت سيرته جزءاً من أسطورته. ابن الشاعر المنفي الذي عاد إلى بكين بعد وفاة ماو، ثم درس السينما والرسوم المتحركة، وانتقل لاحقاً إلى الولايات المتحدة، حيث تعرّف إلى الفن المفاهيمي وأعمال دوشامب وآندي وارهول، قبل أن يعود إلى الصين ويؤسس مع فنانين آخرين نواة للفن الطليعي الصيني. وبعد اعتقاله عام 2011 بتهم التهرب الضريبي، ومنعه من السفر سنوات طويلة، صار بالنسبة للغرب رمزاً مثالياً للفنان المضطهد الذي يقاوم السلطة الشمولية.
كان الغرب يحتفي به بلا حدود تقريباً. معارضه تنتقل بين العواصم الكبرى، الجامعات تستضيفه، المتاحف تمنحه المساحات الأوسع، والإعلام يتعامل معه بوصفه ضميراً عالمياً حيَّاً. بدا وكأن العالم كله مستعد لحمل أعماله فوق السفن العابرة للقارات، فقط لأنه يشهر إصبعه بوجه بكين.
تغريدة واحدة.. فقط!
لكن شيئاً ما تغيّر لاحقاً.
بعد سنوات من ذلك اليوم، لم تعد صورة آي وي وي كما كانت. لم يحدث الأمر بسبب عمل فني جديد، ولا بسبب صدام آخر مع السلطات الصينية، بل بسبب تغريدة قصيرة عبّر فيها عن تعاطفه مع غزَّة. تغريدة واحدة كانت كافية كي تتبدَّل النبرة الغربية تجاهه فجأة. الرجل الذي احتُفي به طويلاً بوصفه بطلاً لحرية التعبير، وجد نفسه متهماً ب”معاداة السامية”، وتحوّل بسرعة من
“فنان كوني” إلى شخصية إشكالية ينبغي الحذر منها.
بدا الأمر يومها كأن هامش الحرية نفسه له حدود غير مرئية، وأن الإصبع الوسطى مسموح بها فقط حين تُرفع في الاتجاه الصحيح سياسياً.
اختفت الحماسة الغربية القديمة تدريجياً. بعض المعارض أُلغي، وبعض المؤسسات الثقافية آثرت الصمت، فيما حاول الفنان نفسه التراجع عن الضجيج الذي أحدثته تغريدته بحذفها لاحقاً، لكنه بدا متأخراً، فالعالم الذي كان يحتفي بتمرّده لم يعد هو نفسه حين اقترب التمرّد من المساحة المحرّمة.
اليوم، حين أتذكر تلك السحليات العملاقة الممددة على الساحل الغربي، تبدو لي أكثر من مجرد أعمال فنية. كانت أشبه بنبوءة بطيئة عن عالم يتآكل من الداخل، عالم يسمح لك بأن تصرخ ضد الطغيان، لكن ليس ضد جميع أشكاله، وربما لهذا بدت جذور الأشجار اليابسة التي صنع منها آي وي وي مخلوقاته الضخمة كأنها خارجة من حضارة فقدت قدرتها على التمييز بين الحرية المشروطة والحرية الحقيقية.
لم يأتِ آي وي وي يومها إلى بيلاني، وخيّب غيابه آمال كثيرين كانوا ينتظرون لقاءه على امتداد الساحل الغربي. لكن بعد كل ما حدث لاحقاً، يبدو غيابه الآن أقل غرابة بكثير من حضور العالم نفسه.
الفنان الذي اكتشف الرقابة خارج حدود الصين
يقيم الفنان حالياً في الريف البرتغالي، متنقلاً بين البرتغال وكامبردج وبرلين، فيما تحوّلت أعماله الأخيرة إلى تأملات ثقيلة في الرقابة والذاكرة والذكاء الاصطناعي والمراقبة الجماعية. أصدر كتاباً بعنوان “عن الرقابة” وراح يتحدّث في مقابلاته الأخيرة عن “الرقابة الناعمة” في الديمقراطيات الغربية، معتبراً أن الغرب لم يعد يمتلك التفوّق الأخلاقي الذي كان يدّعيه في مواجهة الصين.
المفارقة الأشد غرابة أن آي وي وي عاد أواخر عام 2025 إلى بكين للمرة الأولى منذ عقد كامل من المنفى. زار والدته العجوز، وتجوّل في شوارع المدينة التي غادرها غاضباً قبل سنوات، وقال لاحقاً إن بكين بدت له “أكثر إنسانية” مما توقّع، وإن أوروبا التي احتفت به طويلاً أصبحت أكثر برودة وانغلاقاً وبيروقراطية. كلمات أثارت صدمة لدى كثيرين ممن صنعوا من الرجل رمزاً ثابتاً للصراع بين الحرية والسلطة.
وربما لهذا تبدو “السحليات” العملاقة التي تركها على الساحل الغربي للسويد أكثر راهنية اليوم. لم تعد مجرد منحوتات عن الانقراض، بل عن التحوّلات نفسها: كيف يمكن للفنان أن يتحوّل من بطل عالمي إلى شخصية مربكة لمجرد أنه لمس المنطقة المحرَّمة في الخطاب الغربي؟ وكيف يمكن للعالم الذي احتفى طويلاً بحرية التعبير أن يُعاقب فناناً لأنه استخدم هذه الحرية خارج النص المسموح؟
