الثلاثاء, 7 أبريل 2026

ولد أرسيني تاركوفسكي في 25 يونيو / حزيران 1907 في اليزافيت غراد (في وقت لاحق كيروفوغراد – اوكرانيا) لعائلة من طبقة النبلاء. والدته معلمة، ووالده رجل عجوز يعرف سبع لغات ولغتين قديمتين. قبل الثورة البلفشية كانت اليزافيت غراد مركزاً ثقافياً فريداً ولد وترعرع فيها المؤلف الموسيقي وعازف البيانو فرانز ليست، وفيودور شاليابين، والشعراء فيودور سولوغوب، أندريه بيله، وايغور سيفريانين. الوسط العائلي المثقّف والحياة الثقافية الغنية حددت في سن مبكرة عشق الشاعر المستقبلي للشعر والموسيقا والمسرح. وليس غريباً على أرسيني تاركوفسكي أن يعشق ويمجّد الفيلسوف الأوكراني من القرن الثامن عشر غريغوري سكورفورودا، وهو شرف يدين به لوالده ألكسندر كيريلوفيتش وصديقه الطبيب أفانسي ميخاليفتش الذي يذكره في إبداعاته إلا أن طفولة ومراهقة أرسيني مرَّت في ذلك الوقت بمرحلة عصيبة بسبب طبيعة الظروف التي كانت تمر فيها البلاد نفسها وهو الأمر الذي خلف انطباعات كبيرة في ذهنه المتوقّد.

تعارف مع أوسيب ماندلشتام

سنة 1923 سافر إلى موسكو، وبعد عام عمل في صحيفة (غودوك)، وبدأ بنشر قصائده الشعرية على صفحاتها. ومن العاملين في هيئة تحريرها في ذلك الوقت كتّاب مثل ميخائيل بولغاكوف، يوري أوليشا، ايليا ايلف، يوجين بتروف، وفالنتين كاتييف، وتعرَّف إلى أوسيب ماندلشتام، وفي وقت لاحق التقى مارينا تسيفاتيفا التي عادت من المنفى. سنة 1924 تقدّم بطلب الالتحاق إلى معهد بروج للفنون والذي تمَّ إغلاقه بعد وفاة برويوسوف، ولكنه التحق بالدورات الأدبية العليا التي تنظمها الدولة التي انتهت سنة 1929 ولم يتوقَّف أبداً عن كتابة الشعر، ونشره في الملاحق الثقافية الأدبية والطلابية المختلفة.

مترجم أبو العلاء المعرّي إلى الروسية

مع بداية سنة 1932 بدأ نشاطاً محموماً في الترجمة وأولى اهتماماً خاصاً بالشعر القادم من الشرق، وتدين الثقافة الروسية له ببعض أفضل وأجمل قصائد شعراء تركمان وأرمينيين وجورجيين وعرب (ترجم أبو العلاء المعرّي). وقد التحق كمتطوّع للقتال ضد ألمانيا الهتلرية بين الأعوام 1941- 1943 وأصيب إصابة بالغة، وتم بتر قدمه، وعاد الكابتن أرسيني تاركوفسكي بقدم واحدة، وفي جعبته الكثير من القصائد المكتوبة التي لم تنشر. في سنة 1946 أعدَّ أول كتاب شعري للطبع ولكنه “ذبح” الكتاب بالمعنى الحرفي للكلمة، وقال عنه الشاعر كنيبوفيتش:” الشاعر الموهوب أرسيني تاركوفكسي ينتمي إلى البانثيون الأسود (معبد كل الآلهة في روما) الذي يضم الشاعر ماندلشتام وفتى الحرس الأبيض الذي أعدم بالرصاص غوميليوف بالرغم من أنه لم يكن من الحرس الأبيض أبداً، وآنا أخماتوفا، وهوداسيفيتش.

أخماتوفا.. قصائد أرسيني أثمن هدية للقارئ الحديث

عندما بلغ أرسيني تاركوفسكي الخامسة والخمسين من عمره شهد ولادة أول كتاب له بعنوان (قبل الثلج) 1962 :” في الكتاب جمعت قصائد من عقود مختلفة، وهي تقدّم أرسيني تاركوفسكي كشاعر أصيل. كتاب صدر نتيجة عمل جاد، ويعود الفضل له في الكشف عن عالم معقَّد لمشاعر وأفكار وذكريات معاصريه”.

سرعان ماتلقفت الشاعرة الروسية الكبيرة آنا أخماتوفا المجموعة الشعرية ووصفتها بأنها أثمن هدية للقارئ الحديث. وفي نفس الوقت ظهر فيلم (طفولة ايفان) لابنه أندريه تاركوفسكي على الشاشة، وفيه يقرأ الأب أرسيني قصائده الخاصة. وظهر أيضاً في أفلام الابن تاركوفسكي الأخرى مثل (ستالكر) و (المرآة) التي يتجلَّى فيها مع (اللقاءات الأولى) التي تنتهي بقصائد ذي حس ملحمي خارق:” عندما تتبعنا مصائرنا مثل مجنون بشفرة في يده”.

قصائد في أفلام الابن.. تاركوفسكي

وحتى من بعد السماح بطباعة الكتاب ظل أرسيني تاركوفسكي مثابراً على عناده في الصمت من بعد تقديمه “كمترجم موهوب من قبل السلطات الرسمية، ولكنه شاعر ليس له أهمية كبيرة”. من 1962 وحتى وفاته سنة 1989 صدرت له الكتب التالية:” (على الأرض – الأرضي) 1966– (قصائد) 1974– (يوم شتوي) 1980– (مختارات) 1982– ( قصائد من سنوات مختلفة) 1983– (نجوم فوق أراغاتسي) 1988، وآخر كتاب صدر له (من الشباب إلى الشيخوخة)1989، وحصل علي جائزة الدولة بعد وفاته.

كتبت مارغريتا آليغر في مقدمة كتاب (قصائد) :” أن يكتب عن الشعر مسألة في غاية الصعوبة، والأصعب من ذلك الكتابة عن الشعر الحقيقي. أن تتقبّله بإحساسك كالموسيقى، ولكن إن سمحت لنفسك بالانعتاق من سحر الشعر سوف تحدّق في قصائد تاركوفسكي دائماً”.

*من قصيدة له في فيلم (المرآة) 1975لأندريه تاركوفسكي:

لست أخشى من الوشاية والسمّْ

لست أهرب

فلا وجود للموت في هذا العالم

كل شيء أبدي

لا يجب أن نخشى الموت

لا في السابعة عشرة ولا في السبعين

توجد فقط حقيقة ونور

لا ظلام ولا موت في هذا العالم

ونحن الآن جميعاً على الشاطئ البحري

وأنا أحد الذي يختارون شباكهم

عندما تمر الأبدية أسراباً.

اترك تعليقاً

Exit mobile version