الثلاثاء, 7 أبريل 2026

ينسج الروائي العراقي علي بدر في روايته ( الكافرة ) – دار المتوسط الإيطالية / ميلانو–خيوطا متعددة الإيحاءات – زمنياً – في مكاني الأحداث لاسترسال بطلته صوفي في إعاذة سرد قصتها من وجهة نظرها. ربما اختار إعادة كتابة تواريخ بعينها ليبدأ منها بعد أن غادرت ذاكرتها واسمها إلى الأبد وعاشت في “حاضرين” روائيين: حاضر الذكريات، وحاضر المستقبل الذي يصرف أفعاله بقسوة. سنكتشف أن فاطمة التي عاشت في مدينة على تخوم البادية المحاطة برجال قساة جدد جاؤوا من أمكنة بعيدة وغامضة لإعادة كتابة تاريخ المنطقة، لاكما تريد الراوية صوفي، ولكن كما يُراد لفاطمة أن تستمع وتستعين بهم. تبدأ الرواية على خطين متلازمين لن يمكن تفكيكهما. لابل أن خطأً فادحاً قد يرتكب في مجريات السرد لو أتيح فك العرى التي تعيد تربيط الأحداث ببعضها. صوفي التي تلتزم بإعادة رواية حكايتها البعيدة بحكايات أقرب تبدأ من عند حادثة السير التي وقعت لحبيبها “الاسكندنافي” الأشقر أدريان. سرعان ماترخي الحادثة بظلالها على ماضي أدريان. لم يعد ينتمي لحاضره. يعود في ملكية ذكرياتها عنه إلى ذلك الماضي القاتم المرتبط بالحرب الأهلية في لبنان. هو ابن لغابرييل جبور اللبناني الذي شارك في الحرب وساهم بقسط وافر مثله مثل آخرين ببعض “موبقاتها”. قتل أو استغرق في القتل وشرد ليكفر عن خطاياه ويتطهَّر. سيزوره شبح تلك الفتاة التي حاول قتلها أثناء تنفيذ الميلشيات التي ينتمي لها لمجرزة، ولكنها نجت بأعجوبة. سيطارده الشبح في نومه ويقظته مايدفعه للهرب. وسيظهر في فيلم وثائقي لمخرجة ألمانية وتظهر الى جانبه الضحية نفسها. ولأن أدريان معني أيضاً بمقلب الذكريات، وله منها حصة لايمكن أن تفارقه، يبحث عن الضحية ويتزوجها وينجب منها طفليه.

إضاءة نرجسية لغوية

صوفي التي تصل لمثل هذه الاستنتاجات في بحثها عن ماضي أدريان المرهق تضعنا على سكة النبش في ماضيها أيضاً. هي فاطمة قبل أن تنشق مجتمعياً عن مركبات الزمن الحاضر. لقد وعت مايدور حواليها في اللحظة التي انقض فيها المتشددون على مستقبلها في المدينة المستبعدة من الحضارة والتي تتأرجح على تخوم الصحراء وصار لزاماً على الجميع، بمافي ذلك عائلتها تقديم الطاعة لهم. لايمكن إنكار الإضاءات التي تبحث عنها فاطمة في اللغة، وكأن فعل السرد صار يميز بعض نرجسيتها اللغوية ويضيئها، أو هو صار هوية ملازمة لها. في مثل حالة صوفي / فاطمة التي تتعارض في كل شيء سوف نجد أن الاقتراب من سمات هذه الهوية ليس سهلاً أبداً. من قال إن تخليها عن هذه النرجسية لحساب استمالة حاضرها الأوروبي حيث تعيش سيكون في مأمن من إعادة تركيب النص نفسه، في ما نرى كل تلك الحشود في اللغة التي ينصبها الروائي في طريقه لإعادة سرد قصته بالتواريخ والأزمنة التي تؤكد أن حالات مثلها تتكرر بأرقام أخرى. لايغفل الروائي بدر تأجيج هذه الحشود في اللغة: يبحث عن مترادفات. يقيم متواليات في السرد على خطين. يقترب من محرمات معاشة حتى يمهد لظهور (الكافرة) حين يقرر المتشددون رجم فتاة في السابعة عشرة من عمرها في ساحة البلدة بسبب سفورها. ستلتقط فاطمة معنى “المصطلح”، وتبدأ تعيش على هديه كي يمكنها أن تكمل قصتها، وبخاصة أن جسدها بدا بالتفتّح، وصارت تنتبه له وتكتشفه. ليس بعيداً عن هذا التأجيج سنتابع صمت الأم وسكوتها عن قسوة زوجها الذي حسم تردده في الحياة وانضم إلى المتشددين، ومع أول سانحة لتأبيد طاعته وانتظامه في صفوفهم، ذهب لتنفيذ عمل تفجيري انتحاري في سوق شعبي بعد أن بسط هيمنة مسلوبة وهمية على رفقائه في التشدد وعلى أهالي بلدته. ستعاني الزوجة قسوة الزوج الجديد وجوره على فاطمة، وستعاني فاطمة حين تتزوّج من ذلك الشاب المدلل اللطيف الفاشل الذي لاتفارقه أمه، وهي من تقوم بأعباء البيت كاملة، ولكنها حين تموت يتغيّر الشاب ويقرر الانضمام إلى المتشددين بهدف تنفيذ عمل انتحاري حتى يفوز بسبعين حورية. هنا يبدأ الافتراق عند فاطمة التي تقرّر الهرب في اللحظة التي تشعر فيها بأنها ستصبح زوجة لأحد هؤلاء. تفر مع مهرب. يغتصبها في الطريق. تكمل طريقها في شاحنة للفواكه وتصل بلجيكا. هناك تنسف فاطمة التي تتحوّل إلى صوفي فكرة الشرق والغرب. لايعود الشرق الملجأ الأمين لكل مايستفز الغرب ويستثيره، ولايعود الغرب مسكّنا للعقل الشرقي في كامل تقلباته وشروخه وتعدياته على المفاهيم التي يعيد إنتاجها في هذه الحاضنة. تبدأ صوفي باستدراج سبعين ذكراً الى فراشها. تنتقم من فكرة زوجها الانتحاري عن الحوريات. وتؤسس لانقلابها على كل الأفكار التي حملتها معها وجاءت بها، قبل أن تستفيق لهويتها الثانية في المنفى الجديد.

حياة مزدوجة

مايلجأ له الروائي علي بدر هو إعادة منح هوية أنثروبولوجية لطرفي الرواية: صوفي وأدريان. كلاهما هاربين من جحيم مؤرق لهما. هو يتطهّر بطريقته من دنس الحرب القاتلة، وهي تتطهّر بطريقتها من دنس لحق بها جرَّاء تفكير زوجها الذي لم يقبل بجسدها كامرأة له، وضحَّى بنفسه من أجل أن يفوز بالحوريات الموعود بهن. (الكافرة) شديدة الثراء والخصوصية في مشوار علي بدر الروائي لجهة تحميل شخصيته بنوة (السرد المتقابل) الذي تقوم عليه إن أخذنا بعين الاعتبار أن صوفي تقوم بذلك الجانب من السرد الذي لايطاله الراوي في لحظات معينة. ليس ذلك التفضيل هو الأساس في خطة بدر للحكاية، لكن يظل أن القحط الذي تعيشه فاطمة في مدينتها النائية الواقعة على تخوم القسوة وشظف العيش والتنكر لكل ماهو مديني وإنساني ونيّر عن طريق تأويل المتشددين لكل مايمكن أن تقع عليه عين في حياة الناس العاديين مهدد بألا يقابله مايفترق عنها في منفاها البلجيكي. لايكفي أن تنزع نقابها لتعيش تلك الحياة المزدوجة: فاطمة التي تعمل في النهار باسم وهوية محددة، وصوفي في ليل البارات باسم وهوية أخرى. هنا يمكن القول إن علي يصنع من جهتي الغرب والشرق ليس هوية بالمعنى الذي تقوم عليه أوهام وبعض حقائق الاستشراق، بل ذلك “الهراء الذكوري” الذي يستنسخ جسد الأنثى في كلتا الجهتين، وكل واحد منهما معمم بطريقته. لهذا ربما كان يجب أن تنطلق الحكاية من حادثة سير عادي أبقت على أدريان في “كوما” تذكر بمونتاج المكان الذي يتوغل في الزمن ليسرد الحكاية بطريقته عن طريق تأمين متتاليات في السرد يمكن أن تقوم على خطين متوازيين ينفع معهما التقطيع الحركي بغية خلق إيقاع في الإطار الزماني والمكاني الذي تقوم عليه الحبكة، أو في ذلك المونتاج المشهدي لحكاية تريد أن تنسرد ببنيتين متقابلتين، وهذا قد يخلق نوعاً من الانتظام في مجريات السرد يغتني من اللغة والشعر معاً.

اترك تعليقاً

Exit mobile version