مع إطلالة كل ربيع، ومع اقتراب موعد مهرجان الفيلم العربي في برلين (ALFILM)، لا تبدو أن المسألة تكمن فقط في انعقاد مجرد دورة جديدة لمهرجان متخصص، بل صارت أشبه بإعادة طرح سؤال أوسع: أين تقف السينما العربية اليوم داخل الخريطة الثقافية الأوروبية؟ وكيف استطاعت أن تنتقل من هامش “الاهتمام الإثنوغرافي” إلى قلب النقاش الجمالي والسياسي والاجتماعي في واحدة من أكثر العواصم حساسية تجاه الصورة والذاكرة البصرية والإنسانية؟
منذ سنوات، لم يعد ALFILM حدثاً تعريفياً بالسينما العربية بقدر ما أصبح منصة لإعادة تأويلها، وتحميلها -جمالياً وفنياً- كل مامن شأنه اعادة تفسير لهذه الخريطة. فالمهرجان، الذي يصل هذا العام إلى دورته السابعة عشرة، نجح تدريجياً في التحرر من وظيفة “التمثيل الثقافي” المبسَّط، الذي يلهث البعض وراءه في سبيل تحشيد جماهيري غير مكلف، ليقدّم نفسه بوصفه فضاءً نقدياً يعيد طرح الأسئلة حول اللغة السينمائية ذاتها: كيف تُروى الحكاية العربية؟ ومن يملك حق سردها؟ وأي صورة يجب أن تُصدَّر للمشاهد العربي والأوروبي على حدٍ سواء، وأيها يجب أن تُحجب؟
بناء سياق ثقافي وجمالي
تكمن أهمية مهرجان برلين للفيلم العربي في كونه لم يركن إلى منطق الاحتفاء الفولكلوري المزمن، بل انحاز بوضوح إلى السينما المستقلة، تلك التي تشتبك مع الواقع دون أن تستسلم له، وتبحث عن أشكال تعبير تتجاوز القوالب السردية التقليدية. هنا، لا تُعرض الأفلام بوصفها “نماذج من ثقافة أخرى” سائدة، بل بوصفها أعمالاً فنية كاملة، تدخل في حوار متكافئ مع السينما العالمية، وتنافسها على مستوى الرؤية والأسلوب.
ما يميز ALFILM عن غيره من الفعاليات السينمائية المشابهة في أوروبا هو قدرته على بناء سياق ثقافي وجمالي، لا مجرد برنامج جماهيري مقولب. فالأفلام المختارة لا تُرتّب اعتباطاً، بل تُنسج ضمن خيط فكري واضح، حيث تتجاور ثيمات المنفى والذاكرة والهوية مع أسئلة الجسد والسياسة واللغة. هذه البرمجة الواعية تجعل من مشاهدة المهرجان تجربة تراكمية، أقرب إلى قراءة كتاب متعدد الفصول، لا إلى حضور عروض “فوضوية” متفرّقة.
في هذا الإطار، تكتسب برلين نفسها دوراً يتجاوز الاستضافة. فهذه المدينة، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى مركز حيوي للشتات العربي، توفر خلفية حيَّة للأفلام المعروضة. هنا، لا تبدو موضوعات اللجوء أو الاغتراب أو حتى الاندماج مجرد مواد سردية، بل تجارب معيشة يومياً في الشارع، في اللغة المختلطة، وفي الوجوه التي تعبر بين ثقافتين. بذلك، ينشأ تواطؤ خفي بين الشاشة والمدينة، يعزز من أثر الأفلام ويمنحها طبقة إضافية من المعنى.
عروض وندوات وورش عمل
لكن الأهم ربما هو أن ALFILM أعاد تعريف العلاقة بين الجمهور الأوروبي والسينما العربية، كما لم يفعل ذلك أحد سواه. لم يعد المتلقي الألماني يأتي بدافع الفضول تجاه “الآخر”، بل بدافع الاهتمام الجمالي والفكري والثقافي نحو هذا الآخر الذي ينتمي له المهرجان. هذه النقلة، التي تبدو بسيطة ظاهرياً، هي في جوهرها تحوّل عميق في موقع السينما العربية داخل الوعي الثقافي الأوروبي، حيث لم تعد تُختزل في بعدها السياسي أو الإخباري، بل تُقرأ كفن قائم بذاته.
في المقابل، يوفر المهرجان مساحة نادرة لصنّاع الأفلام العرب أنفسهم. فبين العروض والندوات وورش العمل، تتشكل شبكة غير مرئية من العلاقات المهنية والفكرية، تتيح تبادل الخبرات وفتح آفاق إنتاج جديدة. بهذا المعنى، لا يكتفي ALFILM بعرض الأفلام، بل يساهم في إنتاج شروطها المستقبلية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحديات التي تحيط بمثل هذا الحدث. فالموازنة بين البعد الفني والتمثيل الجغرافي، بين الأصوات الصاعدة والأسماء المعروفة، تظل معادلة دقيقة. كما أن خطر الوقوع في إعادة إنتاج “ثيمات متوقعة” عن العالم العربي يبقى قائماً، خصوصاً في ظل توقّعات جمهور أوروبي قد يميل أحياناً إلى أنماط سردية محددة. غير أن قوة المهرجان تكمن في وعيه بهذه الإشكاليات، ومحاولته المستمرة لتفكيكها، وإعادة تركيبها بما يتناسب مع قوة وكفاءة الصور المنبثقة عن هذا “الآخر”.
سينما ضد التسطيح والتبسيط
في دورته الجديدة، (22-28 نيسان)، يبدو ALFILM مرشحاً لتكريس موقعه بوصفه أهم منصّة للسينما العربية في أوروبا، ليس فقط من حيث حجم الحضور أو عدد الأفلام، بل من حيث نوعية النقاش الذي يتيحه للمشاركين. إنه مهرجان لا يكتفي بعرض ما أُنجز، بل يسهم في تحديد ما يمكن أن يُنجز لاحقاً.
في زمن تتسارع فيه الصور نفسها، وتُستهلك بسرعة، يذكّرنا هذا المهرجان بأن السينما ما تزال قادرة على أن تكون فعلاً ثقافياً معرفياً، وأداة مقاومة للتسطيح والتبسيط، ومساحة للتفكير في ما لا يُقال، ومسكوت عنه. وربما هنا تحديداً تكمن أهميته: في كونه لا يعرض لنا العالم العربي كما هو، بل كما ينبغي أن يُفكّر فيه، أو بعبارة أخرى، كما يُمكن أن يُرى ويُستشَّف حتى يشّف كما يُقال.
