الأحد, 12 أبريل 2026

رحلت الأديبة السورية (الدمشقية) كوليت خوري، لكن الجدل الذي رافق اسمها على مدى العقود الماضية لم يرحل، وقد لايرحل في وقت قريب، فهذه الكاتبة التي اقتحمت مبكراً مناطق محرّمة في الأدب العربي، ظلَّت حتى أيامها الأخيرة شخصية يصعب اختزالها في صورة واحدة.

صوت نسائي جريء

منذ خمسينيات القرن الماضي، فرضت كوليت سهيل خوري حضورها كصوت نسائي جريء، كتبت عن الحب والرغبة والحرية من داخل التجربة الأنثوية، لا من خارجها في زمن كانت فيه المرأة موضوعاً (عصياً) على الكتابة وذرائعها، وجاءت هي لتكون صاحبة الصوت الأنثوي الخارج عن المؤسسة الذكورية بمقاييسها الصارمة. لم تكن مجرد أديبة رومانسية، بل كانت، في العمق، حالة احتجاج مكتوبة.

غير أن قوة كوليت خوري لم تكن فقط في ما كتبته، بل في الطريقة التي فهمت بها الكتابة نفسها. كانت ترى أن الحبر يمكن أن يكون بديلاً عن الصراخ، وأن الأدب مساحة للمواجهة دون ضجيج. وهذا ما جعل نصوصها أقرب إلى الاعترافات الحادة منها إلى السرد التقليدي، لكن الوجه الآخر من حياتها كان أكثر تعقيداً.

صورة غير مكتملة

فعلاقتها بالسلطة القائمة، وهي حفيدة فارس الخوري، وضعتها في دائرة الجدل لسنوات طويلة. إذ لم تكن معارضة، بل كانت قريبة من دوائر القرار، وشغلت مواقع رسمية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى انتقاد مواقفها السياسية، واعتبارها جزءاً من المشهد الرسمي.

ومع ذلك، فإن هذه الصورة ليست كاملة.

بحسب شهادات متداولة، فإن هذا القرب من السلطة لم يكن مجرد موقع سياسي، بقدر ماكان موقعاُ استُخدم في أحايين كثيرة كوسيلة للتأثير الإنساني في مجرى أحداث كثيرة شهدتها سوريا في تاريخها المعاصر، وإن لم تنجح دائماً. فقد ساهمت خوري، في أكثر من حالة، في مساعدة أشخاص أبرياء، والتدخل لإنقاذ بعضهم من مصائر قاسية داخل أجهزة الدولة الأمنية. وهو جانب أقل تداولاً من سيرتها الطويلة نسبياً، لكنه حاضر في ذاكرة من عرفوها عن قرب، ولايمكن نكرانه في وقت كانت القبضة الأمنية السورية في أوج قوتها.

هنا تحديدًا تتجلى مفارقة كوليت خوري:
كاتبة متمردة في نصوصها، وبراغماتية في واقعها.
قريبة من السلطة… لكنها لم تكن دائماً في صفّها على المستوى الإنساني.

هذا التناقض قد لا يُضعف صورتها، بل يجعلها أكثر واقعية، وقد يُعطي مفعولاً عكسياً في الحالة السورية الأشد تنافراً والتباساً من (شقيقاتها) في المشهد المتاح على الملأ بعد مآلات الربيع العربي الكارثية. صحيح أنها لم تكن (نموذجًا مثالياً) بمعايير البعض مع “تنفج” الاستقطاب داخل هذه الحالة، وربما كانت أقرب إلى إنسانة تتحرَّك داخل شروط معقدة، وتحاول أن تجد مساحتها الخاصة بين القناعة والقدرة، بين الموقف والدور.

سموات كثيرة تطبق على أرض واحدة

اليوم، بعد رحيلها، تعود كوليت خوري إلى الواجهة لا كأديبة فقط، بل كسؤال مفتوح: هل يمكن أن يكون المثقف حراً في نصه، ومقيّداً في موقعه؟ وهل يُقاس الإرث بالكلمات فقط، أم أيضاً بما يُفعل في الظل؟ ربما لا توجد إجابة واحدة. ربما توجد إجابات عدّة لامجال لحصرها البتة.
لكن ما هو مؤكد أن كوليت خوري لم تكن شخصية عابرة في سموات دمشق الكثيرة التي تكاد تطبق الآن من كل حدبٍ وصوب على أرض واحدة قاتمة وسواوية، بل واحدة من تلك الأسماء التي تترك أثراً في السياق الأدبي والسياسي والاجتماعي، وتصنع زمنها الخاص بها، وتترك معها جدلًا قد لا ينتهي، وبخاصة أن سوريا التي عرفت كوليت خوري، غير مهيأة الآن للحكم على ما إذا كان هذا الأثر سيظل مغلقاً على إجابة واحدة، أو إجابات كثيرة!

قالوا في رحيلها:

*ديمة الشكر

لا أعلم لماذا تختلط كوليت خوري في ذهني بغادة السمان، ثمة أسباب وجيهة: فكّر قليلا وستجدها. لكن اليوم في ٢٠٢٦ تصير المرأتان خارقتين، واحدة جهرت بقصتها وأخرى اقتنعت بأناها حد إنشاء دار نشر باسمها. كانت دمشق في الحالتين – أعني في الستينيات- مغلقة متحفظة متعصبة، و المرأتان أعني غادة وكوليت كانتا على الهامش رغم كل الكلام عن انفتاح ما- في ما بعد الثمانيات- المدينة مغلقة دون المرأتين.

*ظبية خميس

ورحلت كوليت خوري. السلام لروحها…كم أثَّرت عليَّ في عامي ال١٣، و أنا أقرأ روايتها (أيام معه)….كيف سربَّت الحب إلى مخدتي..و معها غادة السمان في مراهقتي، و طبعاً..طبعاً نزار قباني..و إحسان عبد القدوس.

كوليت لم تكتب كثيراً…ولعلَّ (أيام معه) الأهم في أعمالها.

بقيت كوليت في ذهني..وفي ١٩٨١ أردت أن ألتقيها في دمشق…اتصلت بها و ردَّت بتحفّظ و لطف. قالت إنها مشغولة، عندها تعزيل و نفض سجّاد و تنظيف و اعتذرت. لم يخطر ببالي حينها أنه يمكن لبطلة رواية (أيام معه)….أن تنفض سجّاد و غبرة هكذا…..ظننتها ترتب الورد الذي أهداها إياه حبيبها فقط.

طبعا لم أتصل مرة أخرى! رحمها الله بواسع رحمته.

*سامي مروان مبيّض

كانت كوليت خوري، وستبقى، أيقونة دمشق، وأديبتها، وجميلتها، وعاشقتها. عُرفت بألقابٍ عديدة، وكان الأقرب إلى قلبها حين تقول عن نفسها: “أنا بنت الجلاء”. وها هي ترحل قبل أيامٍ من الذكرى الثمانين لعيد الجلاء.

رحلت صديقتي العزيزة، ومن أوائل من آمن بي كاتباً ودعمني قبل ثلاثين عاماً. خالص التعازي للدكتور طوني وأسماء وماسة وأمير، أفراد أسرتها الصغيرة، ولنا جميعاً… نحن أصدقاؤها وقرّاؤها ومحبوها … من أفراد أسرتها الكبيرة.

سلامٌ عليكِ أيتها الجميلة… سلّمي على نزار.

*لينا هويان الحسن

مرحباً كوليت. .

أكادُ أشمّ رائحة قهوتك، وسيجارتك. .

مرحباً دكتورنا وأديبنا عبد السلام العجيلي. .

اشتقنا للودّ. .

اشتقنا لفنجان القهوة الشامي يجمعنا.

كوليت خوري، عاشت كما كتبت، كاتبةً تشبه نصّها.

صُدح بصوتها في الوقت الذي كان فيه صوت المرأة ما يزال مخنوقاً.

تركت وراءها كتابةً لم تكن موجودة قبلها، إذ حوّلت اللحظة “الأنثوية” العابرة إلى إحساسٍ باقٍ للأبد.

جمعتني بها عدّة لقاءات بدمشق خلال عملي في الصحافة بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠١٢؛ تحدثنا عن العطر، وتسريحات الشعر، وآنا أخماتوفا، وبوشكين، وبلزاك، وألكسندر دوما الأب والابن. سألتني بالتفصيل عن اسمي الثلاثي الذي وجدته غريباً، وتحديداً “هويان”.

الكتّاب لا يموتون؛ فالكتاب له تردّد ينمو مع الزمن، نبضٌ ينبعث مع كل قارئ جديد. بل إن رحيل الكاتب يمنح نصّه لمسةً من التحرر، لأنه لن يكون موجوداً ليشرح أو يبرر.. فيتجدد المعنى، ويحيا الكتاب وكاتبه.

*الأب عطا الله حنَّا

رحلت كوليت خوري…

لكنها لم تأخذ سرّها معها، بل تركته معلقاً في الهواء… كعطرٍ دمشقيّ لا يزول.

لم تكن كوليت امرأة تكتب…

كانت امرأة تشتعل على الورق.

وحين كتبت (أيام معه) عام 1959، لم تفتح باباً في الأدب… بل كسرت الجدار كله.

قالت ما لم يُقَل، وسمّت الأشياء بأسمائها، ووضعت قلبها – عاريًاً– في وجه مجتمعٍ لم يكن مستعداً لامرأة تعرف ماذا تريد.

في زمنٍ كان فيه صوت المرأة يُخنق،

رفعت صوتها… لا بالصراخ، بل بالكتابة.

فصار الحبر حنجرتها.

لكن خلف هذه الجرأة…

كانت هناك قصة أكثر هشاشة… وأكثر خطورة:

حبّها مع نزار قباني.

هو الشاعر الذي علّمنا الحب…

وهي المرأة التي عاشت الحب كما هو: دون استعارات.

بينهما، رسائل..

٣٥ رسالة كتبها نزار، و١٣ رسالة كتبتها كوليت.

رسائل ليست حبراً فقط… بل حياة كاملة، نزار آخر لا نعرفه، وكوليت أكثر قرباً مما تخيّلنا.

قصة حبٍّ وُلدت في خمسينيات دمشق،

حين كان القلب يختار دون أن يسأل عن الطائفة،

ودون أن يخاف من الأسماء.

واليوم… بعد رحيلها،

يبقى السؤال أكبر من الغياب:

من يملك الحق في هذه الرسائل؟

ومن يجرؤ على كشفها؟

وهل الحبّ حين يُكتَب… يصبح ملكاً للتاريخ، أم يبقى سراً بين قلبين حتى بعد الموت؟

ربما كانت كوليت تعرف الإجابة…

ولهذا صمتت.

وربما تركت لنا هذا الصمت تحديداً…

لنفهم أن بعض الحكايات لا تُروى،

لأنها لو رُويت… لفقدت قدسيتها.

رحلت كوليت خوري…

لكنها لم تغب.

هي الآن في كل امرأة قررت أن تكون استثناء،

وفي كل نصٍ كُتب بصدقٍ .

وفي كل رسالة حب لم تُرسل.

*ديانا جبّور

كوليت خوري ليست امرأة من الزمن الجميل، هي امرأة تصنع الزمن الجميل..وداعاً

*غادة السمَّان

رحلتْ الصديقة المُحاربة القديمة كوليت خوري الفارسة الشجاعة في زمن عدواني، كم وقفتِ في قلب العواصف بلا وجل!

*فجر يعقوب

رحلت كوليت خوري إذن. أنا أعتقد أنها توقَّفت عن العيش منذ أن رحلت ابنتها الوحيدة نارة من زوجها الكونت الإسباني رودريغو دو زاياس قبل أكثر من عقد ونصف. حكت لي مرَّة كم أن نارة (الطبيبة التي أشرفت على علاج شقيقتي الصغرى في المشفى الفرنسي اثر إصابتها بالسرطان) تمتلك طباعاً حادة حتى أن الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب صدف أن التقى بكوليت بعد أن كانت وضعت ابنتها للتو، فسألها عن اسمها. قالت نارة، فقال لها بعد أن حدّق بوجهها: دي ح تبقى نار جهنم.

صوّرت فيلمين قصيرين من قصصها. كانت نبيلة جداً في رسم وتنفيذ مسار هذين الفيلمين، وظلّت كذلك حتى الرمق الأخير.

اترك تعليقاً

Exit mobile version