لم تكن الصور الثلاث (وهي في الواقع أكثر منذ ذلك) التي التقطها السينمائي والمصوّر العراقي قتيبة الجنابي للشاعر والتشكيلي صادق الصائغ الذي رحل عن عالمنا قبل يومين مجرد بورتريهات توثيقية لرجل من جيل الحداثة العراقية، بل بدت أقرب إلى كتابة بصرية مؤجلة، أو مرثية صامتة سبقت رحيل صاحبها بسنوات. هنا في هذه البورتريهات الثلاث لا نصادف شاعراً وقف أمام عدسة المصور بكامل أناقته، بل زمناً أعيد تكثيفه وتبئيره كما لو أنه يُستدعى من وراء حجاب ثقيل للروح..
إذا استعرنا أدوات رولان بارت في كتابه (الغرفة المضيئة)، ربما أمكننا القول إن الجنابي لا يضم الصائغ إلى مشروعه الفوتوغرافي الإبداعي (وجوه عراقية) بوصفه موضوعاً، بل بوصفه أثراً مكتملاً، تماماً كما هو في اللحظة التي رحل فيها. فالصورة عند بارت تقول دائماً: “هذا كان”. وما أن يرحل صاحب الصورة حتى تتحوّل العبارة إلى جملة أكثر قسوة: “هذا كان، ولم يعد.”
الصورة الأولى: وقوف الرجل أمام جداره الداخلي
في الصورة الأولى، يقف صادق الصائغ أمام جدار من الطابوق (الآجر)، مرتدياً بدلة داكنة، وهو يعقد يديه خلف ظهره. الجسد مائل قليلاً، كما لو أنه يرتاح من حمّى دهمته في الليلة التي سبقت الصورة، والرأس ينحني بتطليعة خفيفة نحو الكاميرا، بينما العينان لا تنظران إلينا تماماً، بل عبرنا، وربما تتعمّد أن تتجاوزنا، نحن الذين نقبع في الحجرة المعتمة. هنا يظهر ما يسميه رولان بارت الاستوديوم: المعنى الثقافي العام للصورة. فنحن نرى رجلاً من طبقة المثقفين العراقيين _الحداثوييين الكلاسيكيين): أناقة بادية ولكنها مقتصدة، وقار، مسافة ضرورية بينه وبين العالم. لكن ما يخز الصورة فعلًا هو البونكتوم: تلك النظرة المرهقة التي لا تستجدي أو تستعطف شيئاً، وتلك اليدان المخفيتان خلف الظهر، كأن الرجل سلّم أدواته كلها للزمن، وهو في طريقه نحو الاكتمال، أو اكتمال تلك البرهة التي تفصله عن الحجرة المعتمة التي مازلنا نحتمي بها نحن الأحياء.
الجدار خلفه ليس خلفية محايدة. إنه جدار العمر، جدار المنفى، جدار المدن التي عبرها شاعر عراقي مجيد أطلق الكركدن في براري الشعر العربي المعاصر، ليركض ولا يتلتف وراءه، بالرغم من كونه شاعراً كثير الخسارات.
الطابوق أو الآجر هنا ليس مادة بناء، بل طبقات من الزمن تكلّست في اللحظة التي التقط الجنابي فيها الصورة، فيما مغلاق العدسة قد أطبق على موضوعها في تلك اللحظة المؤسية التي أعلن فيها عن رحيل الصائغ.
الصورة الثانية: الرجل وصورته الأخرى
في الصورة الثانية، يجلس صادق الصائغ على مقعد جلدي مريح داخل مرسمه، وخلفه لوحة كبيرة لصنوّه، مجرد رجل آخر يستريح في كتلة لونية باهتة. ربما هي صورة الصائغ نفسه من زمن سابق. الصورة هنا تدخل منطقة بارتية مركبة: صورة داخل صورة، وحضور داخل حضور.
يجلس الشاعر في الأسفل، بينما تتربّع صورته المرسومة فوقه. الجسد الحيّْ في الأسفل، والتمثيل الفني في الأعلى. الحاضر تحت ظل ماضيه. وهذه مفارقة جارحة لم يكن ممكناً تحسسها قبل إعلان رحيل الصائغ: أيهما الأصل الآن؟ الرجل الجالس أم صورته التي تراقبه؟
البونكتوم هنا يكمن في هذا الانقسام الهادئ: يدٌ مسترخية على ذراع المقعد، نظارة شفافة، وجلوس بلا استعراض. رجل يعرف أن الحياة تتراجع ببطء، وأن ما يبقى في الصور غالباً ليس الجسد، بل تمثلاته.
هنا يبدو قتيبة الجنابي، وكأنه يقول: الشاعر يعيش داخل أرشيفه الشخصي. يجلس قرب ما رسمه أو ما رُسم له، كما لو أن الإنسان، في سنواته الأخيرة، يتحوّل إلى قارئ شخصي لسيرته، لا بهدف إتقان إنهائها، بل بهدف تسويرها بهذه التمثلات التي غالباً لا نتعمد القيام بها.
الصورة الثالثة: ابتسامة من نجا
في الصورة الثالثة، يعود جدار الآجر الذي يفترض أن لونه أحمر، لكن الرجل هذه المرة يبتسم، ربما لأنه يعرف سلفاً أن مشروع الصورة بالأبيض والأسود. يحمل سيجارة أو قلماً بين أصابعه، ويلف عنقه وشاح خفيف. هناك شيء من الدفء، شيء من المزاح، شيء من بقايا المشاكسة من زمن ماض مكتمل.
لو كانت الصورتان السابقتان تميلان إلى التأمل والحزن، فإن هذه الصورة تمنحنا صادق الصائغ الآخر: الناجي الذي يعرف قسوة العالم لكنه لا يمنحه انتصاراً كاملاً.
البونكتوم هنا في اليدين. الأصابع التي تمسك شيئاً صغيراً، كما لو أنها ما زالت تريد الإمساك بفكرة، بسطر، بوميض أخير. وفي الابتسامة أيضاً: ليست ابتسامة فرح، بل ابتسامة من خبر اللعبة، وعرف نهاياتها، وآثر أن يكتوي بها وحده.
لماذا الأبيض والأسود؟
اختيار قتيبة الجنابي للأبيض والأسود ليس حنيناً تقنياً وجمالياً من زمن المدرسة الهنغارية المولع بها، وهنا كل شيء يُقاس بحدّة الزمن، بل موقف جمالي وأخلاقي. اللون غالباً يشتت من بقي منّا في الحجرة المعتمة، أما الأبيض والأسود فيعيد الأشياء إلى جوهرها: الضوء، الظل، التجاعيد، المسافة، هشاشة الجلد، وصرامة النظرة.
الأبيض والأسود هنا يحرر صادق الصائغ من زمن الصورة العابر، ويضعه في زمن أعمق: زمن الذاكرة. لذلك تبدو الصور الثلاث، وكأنها التقطت أمس، وقبل ثلاثين عاماً، وفي الغد أيضاً.
قتيبة الجنابي: يرى أكثر مما يلتقط في الصور
لا يصوّر الجنابي صديقه من الخارج. ثمة ألفة واضحة تسمح للصورة أن تنزل في العمق إلى ما تحت الملامح. لا نرى شاعراً يؤدي دور الشاعر كما تعهده الصور الكلاسيكية، وإنما نحن نرى رجلًا يقف أمام عين بصيرة مجرّبة يعرفها ويثق بها. هذه ميزة صور الأصدقاء، فهي لا تبحث عن “اللقطة”، وإنما تكشف عن الحقائق الصغيرة التي نريد اخفاءها وتسويتها بالأرض، وقد تظهر -فقط- مواربة حين يسقط القناع.
بعد الرحيل
الآن، وبعد رحيل صادق الصائغ (1936-2026)، يقيناً غيّرت الصور الثلاث موقعها ومعناها. لم تعد مجرد صور يمكن تقلبيها في مشروع (وجوه عراقية) للمصور والسينمائي قتيبة الجنابي، فقد أصبحت جزءاً من وداع طويل. كل صورة منها تقول بطريقتها ما قاله رولان بارت عن الصورة: إنها شهادة على حضور صار غياباً.
لقد رأى قتيبة الجنابي صديقه بالأسود والأبيض، لكنه أعاده إلينا بكامل ألوانه الإنسانية: وقاره، تعبه، خفة الكائن التي فيه، ابتسامته، وذاكرته المضيئة التي تمشي على قدمين. وفي هذا، ربما تكمن معجزة الصورة الفوتوغرافية: أنها لا تمنع الموت، لكنها تؤجل النسيان حتماً.
