الأربعاء, 10 يونيو 2026

في الوقت الذي تتسابق فيه المؤسسات الفنية المعاصرة لإعادة تعريف علاقتها بالجمهور، تبدو الفنانة الفنلندية هانا فيهريالا وكأنها تذهب أبعد من ذلك، إذ لا تكتفي بإعادة النظر في العمل الفني ذاته، بل تعيد مساءلة المكان الذي يحتضنه أيضاً. ففي معرضها الشخصي الأول داخل مؤسسة متحفية سويدية، والمقام في متحف غوتنبرغ للفنون تحت عنوان «Same Moment of Pleasure»، لا تقدم الفنانة مجموعة من المنحوتات والتركيبات الفنية بالمعنى التقليدي، وإنما تخلق تجربة حسّية كاملة يتحوّل فيها المتحف من فضاء جامد لحفظ الأعمال إلى كائن حي يتنفس ويتفاعل مع أجساد زواره.

عناصر حيَّة

تستكشف فيهريالا، التي تعد واحدة من أبرز الأصوات في مشهد النحت المعاصر في بلدان الشمال الأوروبي، العلاقة الدقيقة بين الجسد والذاكرة والمادة. وبحساسية لافتة تجاه الخصائص الجوهرية للمواد التي تستخدمها، تنجح في تحويل أشياء مألوفة ومهملة في حياتنا اليومية إلى عوالم بصرية مدهشة. فالخرز البلاستيكي والحلوى والحصى والخيوط الدقيقة والدبابيس لا تظهر هنا بوصفها موادَّ خاماً، بل كعناصر حيَّة تحمل تاريخها الخاص، وتختزن في داخلها طبقات من الذاكرة والرغبة والتجربة الإنسانية.

من معرض الفنانة الفنلندية هانا فيهريالا Foto: Faruq Faaiq Omer

ما يلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى هو أن أعمالها لا تطلب من الزائر الوقوف أمامها من مسافة آمنة. على العكس تماماً، فهي تدعوه إلى الدخول بينها، والالتفاف حولها، والانحناء أحياناً لرؤيتها من زوايا مختلفة. يتحوّل الجسد هنا إلى جزء من العمل الفني نفسه، بل إلى شرط أساسي لفهمه. فحركة الهواء الناتجة عن مرور الزوار تكفي أحياناً لتحريك العناصر المعلقة وتغيير علاقتها بالضوء والظل، وكأن الفنانة تمنح الفراغ المحيط بأعمالها دوراً مساوياً لدور المادة ذاتها. بهذا المعنى يصبح المتلقي شريكاً في صناعة التجربة، ويتحرر من موقع المشاهد السلبي ليختبر ما يمكن تسميته بحرية الجسد داخل الفضاء الفني.

سؤال عميق

هذا الانشغال بالعلاقة بين المادة والذاكرة يتجلّى بوضوح في أعمال عديدة داخل المعرض. ففي عمل «الآلهة» تبدو مجموعة من الوجوه الشابة من بعيد كأنها صورة فوتوغرافية ضخمة، لكن الاقتراب منها يكشف أنها ليست سوى آلاف الأحجار الصغيرة المربوطة بخيوط صيد تكاد لا تُرى. هنا يتحوّل العادي إلى استثنائي، والمألوف إلى سامٍ. فالعنوان وحده يحمّل الشخصيات الشابة معاني المثالية والجمال والقوة، بينما تبقى المادة المستخدمة بسيطة وخالية من أي قيمة جوهرية في ذاتها. ومن خلال هذا التوتر بين الصورة والمادة تطرح الفنانة سؤالاً عميقاً حول مصدر القيمة نفسها: هل تنبع من الأشياء أم من الأفكار التي نُلقيها عليها؟

في عمل آخر بعنوان «اللهب» تواصل فيهريالا هذا الحوار بين المادي والرمزي. باستخدام نحو 6500 خرزة أكريليك مثبتة على أسلاك فولاذية دقيقة، تنسج كتلة من الدخان المتصاعد داخل القاعة تبدو وكأنها لحظة احتراق متجمّدة في الزمن. العمل مستوحى من لوحة «الحرث الربيعي» للفنان السويدي نيلز كروغر، لكنه لا يقتبسها بقدر ما يعيد ترجمة أجوائها الضوئية والحركية إلى لغة نحتية معاصرة. النار هنا صغيرة الحجم لكنها كثيفة الحضور، والدخان يتأرجح بين الجمال والخطر، بين الدفء والتهديد. وفي عالم يشهد حروباً وصراعات متواصلة، من غزَّة إلى السودان ومناطق أخرى مضطربة، يبدو العمل تذكيراً هشَّاً وقاسياً في آن واحد بقدرة الشرارة الصغيرة على إشعال حرائق كبرى.

العشب المجروح

أما الأعمال الأصغر حجماً فتكشف جانباً آخر من حساسية الفنانة تجاه التفاصيل اليومية التي تمر غالباً دون انتباه. ففي منحوتة ذهبية تحمل عنواناً فنلندياً يعني «حجر في الحذاء»، تتحوَّل تجربة بسيطة ومزعجة يعرفها معظم البشر إلى تأمل وجودي في طبيعة المعاناة البشرية. فليست الكوارث الكبرى وحدها ما يستنزف الإنسان، بل أيضاً التراكم البطيء للمشكلات الصغيرة التي ترافقه كل يوم. الفكرة ذاتها تتكرر في أعمال أخرى مثل «العشب المجروح» و«اللصقة» و«المشكلة الدائمة»، حيث تتحوّل عناصر متواضعة مأخوذة من الحياة اليومية إلى شواهد على هشاشة الجسد وذاكرته.

ومن أكثر الأعمال إثارة للتأويل عمل «Comfort» أو «الراحة»، وهو عبارة عن أرجوحة مصنوعة بالكامل من خيوط حلوى حمراء. تبدو الأرجوحة جذابة ومغرية للوهلة الأولى، لكنها عاجزة تماماً عن حمل جسد إنسان. هنا تكمن المفارقة التي تراهن عليها الفنانة، فهي تمنحنا صورة الراحة دون إمكانية ممارستها فعلياً. وكأن العمل يسائل مجتمعاً معاصراً يطارد الرفاهية باستمرار لكنه يجد نفسه عاجزاً عن الاستمتاع بها. ومن خلال نقل مادة استهلاكية بسيطة إلى سياق فني جديد، تفتح فيهريالا أسئلة تتعلّق بالرغبة والاستهلاك والوقت والعمل وقيمة المتعة نفسها في عالم يقدس الإنتاج والانشغال الدائم.

من معرض الفنانة الفنلندية هانا فيهريالا Foto: Faruq Faaiq Omer

الزائر محور التجربة

وما يضاعف أهمية هذا المعرض أنه يقام بالتزامن مع المعرض الكبير الذي يستضيفه متحف غوتنبرغ للفنون بعنوان «الجسد: المثالية، النظرة، الحرية». فإذا كان ذلك المعرض يتتبع صورة الجسد في تاريخ الفن الأوروبي من النماذج الكلاسيكية المثالية وصولاً إلى المقاربات المعاصرة المرتبطة بالهوية والسياسة والحرية، فإن هانا فيهريالا تنقل هذا النقاش إلى مستوى آخر. فهي لا تعرض الجسد بوصفه موضوعاً للرؤية، بل تجعل من جسد الزائر نفسه محور التجربة. هناك نتأمل أجساداً مرسومة أو منحوتة، أما هنا فإن الجسد الحاضر داخل القاعة يصبح جزءاً من العمل، ويتحوّل إلى أداة للإدراك والقياس والتفاعل.

لهذا تبدو تجربة هانا فيهريالا وكأنها حلقة جديدة في مسار طويل من التفكير الفني حول معنى الجسد والحرية والفضاء. إنها لا تسعى إلى إبهار العين فقط، بل إلى إشراك الحواس كلها في عملية اكتشاف مستمرة. ومن خلال تحويل المواد اليومية إلى تكوينات مدهشة، وترجمة الذاكرة إلى فراغات قابلة للعبور، تنجح في إعادة تعريف دور المتحف نفسه. فالمتحف هنا لم يعد مستودعاً للماضي بقدر ما أصبح مساحة حيَّة لاختبار الحاضر واستشراف المستقبل.

رؤية العالم بطريقة مختلفة

ربما لهذا السبب تحظى أعمال هانا فيهريالا باهتمام متزايد في الأوساط النقدية العالمية. فالنقّاد يرون فيها نموذجاً نادراً يجمع بين الحرفية التقنية العالية والعمق المفاهيمي، وبين القدرة على بناء أشكال بصرية آسرة والقدرة على طرح أسئلة إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية. إنها فنانة تستطيع أن تجعل من حصاة صغيرة أو خيط حلوى أو سحابة من الخرز مدخلاً للتأمل في الذاكرة والجسد والرغبة والزمن، وأن تحول أبسط الأشياء إلى تجربة شعرية كاملة. وفي معرضها الحالي في غوتنبرغ تثبت مرة أخرى أن الفن لا يبدأ من ضخامة المادة، بل من القدرة على رؤية العالم بطريقة مختلفة.

اترك تعليقاً

Exit mobile version