في صالة Röda Sten Konsthall الواقعة تحت جسر ألفسبورغ في مدينة غوتنبرغ، افتُتح معرض برنامج الماجستير في التصوير الفوتوغرافي التابع لكلية الفنون والتصميم HDK-Valand، تحت عنوان: «مسائل التراب والشوق»، مقدّماً واحداً من أكثر معارض الربيع الفنية كثافةً وتنوعاً في المشهد الثقافي السويدي المعاصر.
وإذا كان من الصعب أحياناً التنبؤ بمسارات الفن المقبلة عبر المتاحف الكبرى، فإن معارض التخرج غالباً ما تمنح نظرة مبكرة إلى شكل الفن القادم، بوصفها مساحة حرة للتجريب والمخاطرة وكشف حساسيات الجيل الجديد من الفنانين. هكذا بدا معرض هذا العام: مزيجاً من التركيبات الفنية، والتصوير الفوتوغرافي، والفيديو، والعروض الأدائية، والرسم، والنحت، ضمن تجربة مفتوحة على الغموض والأسئلة أكثر من بحثها عن الأجوبة.
يحمل المعرض عنواناً يختصر فكرته الأساسية: التراب بوصفه مادة ملموسة ومجازاً في آنٍ معاً، والشوق باعتباره قوة تعيد تشكيل الماضي والمستقبل. هنا، لا يظهر الشوق كحنين عاطفي فقط، بل كأداة لإعادة التفكير بالذاكرة والجسد والعلاقة بالزمن، تماماً كما تفعل الصورة الفوتوغرافية حين تعيد إنتاج ما اختفى أو ما لم يكتمل بعد.
تتوزع الأعمال الفنية داخل فضاءات متداخلة تستحضر أماكن متخيلة وواقعية في الوقت نفسه: قلعة طفولة، مرعى أبقار، أرشيف مهجور، شبكة رقمية، أو مكان لم يُبنَ بعد وربما لا يزال في طور التكوين. وبين هذه الأمكنة، يطرح الفنانون سؤالاً مركزياً: هل يمكن اعتبار الذاكرة نفسها مكاناً؟ وهل يصبح الجسد، بكل طبقاته الفوضوية وغير الموثوقة، أرشيفاً قائماً بذاته؟
عدد من الأعمال يذهب مباشرة نحو فكرة الهشاشة الفردية في عالم يتراجع فيه الشعور بالأمان الجماعي. ففي إحدى التركيبات، تتساقط صفائح بلاستيكية كأنها بقايا دفاعات مؤقتة، في تذكير بأن بناء الحماية الفردية يظل هشاً ما دامت البنى الأساسية للمجتمع معطوبة. داخل الفضاء ذاته، تتحول ألواح الجبس والدروع المبعثرة إلى آثار صامتة لمعركة لم تقع بعد، أو ربما لا تنتهي أبداً.
ويحضر مفهوم “الاستعداد” أيضاً بوصفه حالة نفسية ومعمارية في آن، من خلال استخدام عناصر مثل “مسامير روميو”، وهي حواجز حضرية استُخدمت تاريخياً للردع والمنع، حيث تتحول الشوارع نفسها إلى فضاءات يقظة وتوتر دائمين. وفي مقابل هذه القسوة، تكشف بعض الأعمال كيف يعاد ترميز الأشياء اليومية البسيطة لتصبح أدوات مقاومة أو دفاع في زمن القلق.
الفنان جي سونجين يقدّم مشروعاً تصويرياً قائماً على صور مقطّعة ومبعثرة داخل فضاء يوحي بمكان مهجور أو مستخدم ثم متروك، حيث تتردد أصداء تجربة المهاجر الذي يُعامل بوصفه “شيئاً غريباً” لا شريكاً في المكان. ومن خلال الصور الأرشيفية والتدخلات المادية على سطح الصورة، يكشف العمل عن التشوّه الثقافي الذي يخلّفه الانقطاع والاقتلاع.
أما الفنانة سوزان كارافيلي فتستعيد تاريخ الصورة المعاصرة عبر توجيه الكاميرا نحو أكثر الشاشات حضوراً في حياتنا اليومية. أعمالها، المستوحاة من مشاهدة المسلسلات التركية عبر المنصات الرقمية، تتأمل في قدرة التكنولوجيا على تغيير الواقع وتوسيعه، وعلى إنتاج صور تتجاوز ما تراه العين مباشرة.
في المقابل، تبدو أعمال الفنانة ميريام لاموت أقرب إلى تأمل كوني طويل في فكرة الفناء. تنطلق أعمالها من فرضية بسيطة وعميقة: لكل بداية نهاية، وكل ما يحيط بنا هو جزء من عملية مستمرة وبطيئة لنهاية العالم. تستخدم لاموت التصوير الفوتوغرافي كأداة حدسية للتفكير في الإبداع والزوال، حيث تنشأ الصور من الملاحظة الدقيقة والانفتاح على هشاشة الوجود.
وتعمل الفنانة كارلا لوماكا على تداخل الأزمنة عبر رسائل صوتية وصور فوتوغرافية مجزأة، تمزج بين اللحظة العابرة والذاكرة المحفوظة. من خلال الكولاج وإعادة تركيب الصور، تتشابك الأشخاص والأمكنة والأشياء داخل زمن غير مستقر، يتجاور فيه الماضي مع الحاضر دون حدود واضحة.
أما الفنان كارلو لومباردي فيتناول في مشروعه “مناطق التقارب” فكرة المواد في حالات التحلل والتلوث والتعرض، مستخدماً أفلاماً فوتوغرافية غير معرضة للضوء تتحوّل إلى مواد معتمة ومسامية، ترفض الوضوح والشفافية. هنا لا يعود التركيز على معنى الصورة، بل على المادة نفسها بوصفها كائناً يتحوّل ويتفاعل ويتجاوز وظيفته الأصلية.
الفنانة باربرا مارستراند، في مشروعها “مسائل رياضية”، تطرح سؤالاً بصرياً حول كيفية فرض النظام داخل عالم فوضوي. تستخدم الشبكات البصرية والخطوط الدقيقة والتشويش المتعمد لتفكيك فكرة الكمال والتنظيم، في محاولة للكشف عن هشاشة الأنظمة التي تبدو مستقرة ظاهرياً.
أما عمل الفنان صامويل إيان مكارثي “1164 بقرة”، فيمزج بين صور السيانوتيب والأصوات ومواد مأخوذة من حظيرة أبقار سويدية، ليفتح نقاشاً أخلاقياً حول علاقتنا بالحيوانات والصناعة الاستهلاكية. الرقم في عنوان العمل يشير إلى عدد الكائنات التي فقدت حياتها خلال عام واحد لإنتاج مواد فوتوغرافية تقليدية، في مواجهة صادمة بين الجمال البصري والعنف الكامن خلفه.
وتبني الفنانة ليزا بيترسون عالماً فوتوغرافياً تخييلياً في مشروعها “رحلة استكشافية إلى الأرض: مخلوقات يوتوبيا”، حيث تتجاور الحيوانات المحنطة والأشجار والصخور والرسوم المتحركة ضمن فضاء يبدو كحلم بصري مفتوح على احتمالات عالم بديل أكثر رحمة.
في حين يمزج الفنان سوفوس رافن بين التصوير والرسم والنحت والكتابة في مشروع “الأرنب الأبيض”، مستلهماً رموز الطفولة والثقافة الشعبية والفقد، ضمن مزيج من البراءة والغرابة والإيحاءات العنيفة التي تتسلل بهدوء إلى المشهد البصري.
أما الفنانة كاتارزينا سوكولوفسكا فتقدّم عملاً بعنوان “احتواء الماء، احتواء الشكوك”، بوصفه تكريماً للجسد الإنساني، حيث تتحول الحركة إلى محاولة لإعادة الاتصال بالجسد بعد المرض والانفصال. الأجساد المرسومة تبدو معلقة بين التوازن والاختلال، وكأنها تبحث عن شكل جديد للثبات.
وفي عمل “أغلق عيناً، وافتح أخرى”، تستكشف سارة تونيوني أثر الصدمات الشخصية والذاكرة الموروثة من خلال صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود وكولاجات وخياطات تجمع أجزاء الجسد والأمكنة المنزلية والأشياء اليومية، لتخلق فضاءً حميمياً يحضر فيه الغياب أكثر مما يحضر الجسد نفسه.
في النهاية، لا يبدو معرض “مسائل التراب والشوق” معرضاً موضوعياً تقليدياً بقدر ما هو تجربة مفتوحة لعبور طبقات من الذاكرة والهشاشة والتآكل والتحول. إنه معرض عن الصورة بوصفها أثراً، وعن المادة بوصفها ذاكرة، وعن الإنسان بوصفه كائناً يعيش دائماً بين ما يتلاشى وما يبقى.
وفي هذا المعنى، يتحول “التراب” هنا من مجرد مادة إلى مقاومة لما هو مصقول ومثالي وسهل وخالٍ من الاحتكاك، فيما يمنح الفنانون أنفسهم — والزائر أيضاً — فرصة للغوص داخل المناطق غير المستقرة من العالم، حيث لا شيء مكتمل تماماً، ولا شيء يختفي بالكامل.
