على مدى عامين ظل المخرج الألماني مارسيل ميتلسيفن يتابع حياة ومشاغل أسرة سورية كانت تقيم في حلب، على جبهة من جبهاتها المشتعلة في فيلم وثائقي بعنوان ( وطني: أطفال على خط المواجهة ). يوحي الفيلم للوهلة الأولى بحرفة واضحة في صوغ القصة وتوليفها، أو إعادة تركيبها، وبخاصة أن ميتلسيفن يحمل في جعبته أفلاماً وثائقية اشتغل عليها في أماكن مختلفة شهدت نزاعات طافحة في آسيا وإفريقيا.
الأبٌ المفقود
يبدأ الفيلم من لحظات صعبة تدفع بالأسرة المؤلفة من سيدة سورية وأربع أطفال(محمد – هيلين – فرح – سارة) للرحيل من مدينة حلب، والوجهة بطبيعة الحال استانبول. سيتعرف المشاهد عبر 53 دقيقة هي مدّة الفيلم، على الخلفية التي تجيء منها العائلة السورية المفجوعة بالحرب، والقصة التي تجبرها على الرحيل. إنه الأب المفقود أبوعلي صليبي. رجل في نهاية العقد الرابع من عمره، ظهر في الدقائق العشر الأولى من الفيلم بصفته قائداً ميدانياً في (الجيش الحر).
رامبو سوري
لايقدم الفيلم الجهة التي ينتمي إليها، وان بدا واضحاً أن ولاءه يذهب إلى الجماعات الإسلامية التي تتوالد هناك بكثرة، وتحترب في ما بينها أيضاً بكثرة. وقع أبو علي صليبي في فخ التموضع حول الذات أثناء تصويره لدوره أمام الكاميرا، وصار يتصرّف على هذا الأساس. في بعض المعارك التي يشنها مع عناصر تابعين له سرعان مايتحوّل إلى (رامبو) بلباس سوري، وثمة من يسهر من عناصره حتى على تربيط سترته القتالية، وهو يعطي التعليمات ويقوم بالقصف من جانب واحد. ليس هناك أحد على الجبهة المقابلة. مامن ردّْ فعل معاكس سوى ما يفرضه إيقاع التصوير على الفيلم. هناك بعض الإشارات إلى مساعدة بناته له في توضيب القذائف التي يرسلها إلى أعداء لا يظهرون أبداً في الشريط يمكن الاستماع إليها من خلال أحاديثهن. وباستثناء بعض الطلاّقات التي تعبر منها نظرات “القائد الميداني” ورصاصاته نحوهم،
يعود المخرج إلى توليف لحظات السفر الصعبة. يستخدم نفس اللقطات التي استخدمها في المقدمة في قفز على جدّة الفيلم الوثائقي التي تقضي بعدم استخدام الوثيقة مرة ثانية، كما تفترض قواعد الصنعة في مذهبها على الأقل
فليس ثمة ما يوحي بوجود حرب. الشريط الجغرافي الذي يظهر من مكانه بوصفه خطوط تماس مشرّعة على المجهول لاينقل صورة عن أثر هذه الحرب، وماخلا بعض الدمار الحاصل في البيوت التي تنتقل إليها العائلة بعد أن فقدت مسكنها في منطقة سيف الدولة، فليس ثمة أثر مادي لدمار مفترض في الفيلم، بعكس مايجهد المخرج لإظهاره بالنوايا، ولولا بعض الاشتباكات التي يفتعلها القائد الميداني من وراء بعض الجدران المهدّمة، مع أعداء محتملين، فلن يمكن الجزم بوقوعها. ربما يمكن القول في مقلب ثانٍ إنها ستقع في وقت آخر لامحالة.
داعش على الخط
الحدث الجلل الذي سيقلب مصير العائلة رأساً على عقب، هو اختطاف أبوعلي صليبي من قبل عناصر تنظيم داعش الإرهابي. تقول الزوجة إن وشاية رفاقه به أودت به إلى هذا المصير المفزع، وإنها حاولت أن تتدخل لحمايته إلا أنها تلقت تهديدات بالقتل هي وأولادها من قبل مسلحي العصابة المتشددة.
تبدو الأمور أكثر غموضاً، فليس ثمة توثيق لمثل هذا الحدث. ثمة قنوط يضرب أفراد العائلة جرّاء المصير الغامض الذي لحق بالأب. هناك أقاويل تتردد عن اختطافه، وليس ثمة ما يفيد بأخبار عنه.
قواعد الصنعة
تفقد العائلة الأمل بالعثور على القائد الميداني صليبي، فتقرر السفر إلى تركيا. يعود المخرج إلى توليف لحظات السفر الصعبة. يستخدم نفس اللقطات التي استخدمها في المقدمة في قفز على جدّة الفيلم الوثائقي التي تقضي بعدم استخدام الوثيقة مرة ثانية، كما تفترض قواعد الصنعة في مذهبها على الأقل.
بركات العمَّة ميركل
في استانبول تتمكن عائلة أبو علي صليبي من الحصول على تأشيرات نظامية للهجرة بموجب قرارات للمفوضية الأوروبية. الوجهة ألمانيا: سياسة الباب المفتوح التي انتهجتها “العمة ميركل” حينئذٍ بخصوص اللاجئين جاءت في الوقت المناسب. ليس هناك من هو أجدر من هذه العائلة بالوصول إلى تلك البلاد. وسيقع المخرج في مأزق دعائي، إذ تعلن الصبية الحلوة هيلين أمام الكاميرا، إنهم سيسافرون عبر البحر، وإنهم لن يخشوا الموت، وهم ينتقلون للحياة التي ينتظرونها بفرح.
فانتازيا الموت الزمني
عبر الأنترنت يتعرّف أفراد العائلة إلى مدينة غوسلار. المدينة القروسطية التي تدخل في سبات متوقع بسبب تقدم أهلها في السن. تبدو الأمور هنا وكأنها تنسج من فيلم فانتازي حول الموت الزمني الذي تغرق فيه. هكذا يصف الدليل بلغة عربية واقع المدينة التي سيخفّون إليها سريعاً في الطائرة التركية، وليس في زوارق الموت كما تخبر هيلين.
في ألمانيا سيتعرّف المشاهد إلى وجهة نظر الأم التي غادرت سورية “من دون ذكريات” كما تقول بعد فقدان زوجها الذي عودَّها على طقس القهوة الصباحية، وهي تشدد على ضرورة احترام البلد المضيف لعقائدها، وإلا فإنها ستعود إلى الديار في أول سانحة، وباستثناء دموعها الغزيرة، وصورة صغيرة للقائد الميداني (المفقود) على هاتفها النقّال لن نعثر له على أثر. أفراد العائلة الصغار يمكنهم الاندماج بسهولة أكبر. وفي ما سنتبع محمد الذي يواصل دراسته ويشدد على نهج أبيه، بالرغم من صداقاته الألمانية المتعددة، وتبدّل مظهره الخارجي، تبدو هيلين وكأنها تفترق عن هذا النهج بالرغم من دفق الكلام العاطفي عن دور الأم في تحمل تبعات غياب الأب، فتنزع الحجاب وتصرح علانية أمام شقيقها إن الأم تتهمها بالكفر.
توريط الأطفال
فيلم (وطني: أطفال على خط المواجهة) لايعكس تلك المواجهة التي يفترض خطوطاً وهمية لها. ليس ثمة “تورط” طوعي لهؤلاء الأطفال في معارك الأب، بعكس ما يحاول الشريط إظهاره من طريق العنوان. ينشد ذلك، لكن ما تظهره الصورة يحمل شيئاً مغايراً، إذ ربما كان الأجدر به الالتفات إلى معاينة حياة ومصير هذه العائلة من زاوية مختلفة طالما أنه اكتفى بها.

