الجدل حول الشعر الذي بدأه الناقد الأدبي السويدي، والمحرر الثقافي المسؤول في جريدة “اكسبريسن”، فيكتور مالم ذات يوم، يبدو مثيراً للاهتمام بطريقة ما، ويمكن الشغل والتأسيس عليه. “ثمة شيء مفقود في الشعر”. “لقد فقد الشعر معناه”. ومن سيكتب الشعر بعد الآن؟ هل هي ربّة الشعر التي تنزل من أعالي الجبال بوصفات جديدة متعددة لترعى هذه الكتابة.
ليس الشعر. بل إن نقد الشعر في أزمة. ولكن على ماذا تعتمد هذه الأزمة؟ يتساءل فيكتور مالم.
لا يجب أن نغفل حقيقة أن الأزمات تكون عادة جيدة لأنها تحدث التغيير، ولكن كلما جرى التفكير أكثر في الأمر ربما زاد الاقتناع بأن الأمر يتعلّق بقراءة الشعر مع عدم القدرة على تحديد ماهيته وعلاقته بأجسادنا ومشاعرنا ورغباتنا.
الشعور بأن “لاشيء على المحك” كما يكتب فيكتور مالم ربما يتأتى من أن لا القراء ولا النقاد يجرؤون على وضع أنفسهم في مسارات خطرة، وهذا قد يتطلّب من القارئ رفض القصيدة، ومواجهة شروطها المتطلبة على أن يدخل في مرحلة متقدمة بعلاقة حقيقية وسرية مع النص.
إن قراءة في بعص نصوص المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة السويدية الشابة لينا ريدن رينولدز(1983)، مثلاً، المعنونة ب(اقرأ شفتي): “ما الذي فعله بي؟ لقد جعلني أحاول الانضمام إلى السترات الصفراء في باريس، والبدء برؤية كل شيء كتبوه على حقائبهم الظهرية بوصفه شعراً، وجعلني أرفض ممارسة الجنس مع رجل جذّاب حاول الكتابة باسم بودلير، ولم يكن مهتماً تماماً بالشعر المعاصر. جعلني أنظر إلى حركات شفاه الناس، والاستماع بين الخطوط للصمت”.
بالتأكيد يبدو النص هنا مثل انعكاس مادي لغوي نموذجي على اللغة: يكشف عن الطبيعة العنيفة للعامّة، وكذلك عن اللغة الشخصية الحميمة. وبين هذه المستويات تطفو مستويات اللغة نفسها، وأحياناً يتم إبقاؤها منفصلة، وينعكس هذا في العودة إلى أصغر التفاصيل. تبدو الظاهرة مغرقة في عبثيتها مثل قلب جورب للداخل لتظهير كلمات مثل:”الشفاه تصنع عيوناً” – “عندما دفعوا لي من أجل يدك، أنا حافظت عليها” – “حسبة الرأسمالية ترانا”. وهناك بعض الجمل التي تعض نفسها في الذيل كما يُقال:” أخبرني بماقلته للتو حتى أستطيع أن أخبرك ب ” – “كم من الوقت يجب أن تموت” وبعضها تتخللها نتائج قاطعة مثل:” لا يمكن معرفة أي شيء”.
يقال إن الشعر الجيد شريرٌ بالضرورة، وقد يسخّن الدماغ فعلاً، ولكنه يسبب الألم حين قراءته وهو يجبر القارئ على عدم فهمه، ويظل بحسب الناقد فيكتور مالم أن البصيرة تحرر القارئ، وتدفعه للبحث عن طرق جديدة دون السؤال عن كيف ولماذا؟ لأن بعض الأشياء مثل الشعر تماماً لا يمكن تفسيرها.

