ملك الأمواج فوق الصوتية
ماذا غير شرب الماء في الصباح لأفعله؟ لاشيء!!
كان شقيقي يتحدث معي مثل طبيب. كان يدهشني بمعلوماته الطبية والعلمية التي استقاها من عمله كسائق سيارة إسعاف في أحد المستشفيات الخاصة، ولم أستغرب حين عرفت أنه كان يدخل مع الطبيب الجرَّاح (ع.ي) إلى غرفة العمليات، وهو يضع كمَّامة خضراء واقية، ويتابع “تحصيله العلمي” فيها مجاناً. ربما كان سينبغ في مجاله، لو قيض له أن يدرس الطب البشري.
تمددت على طاولة الفحص الميداني، وأنا مشوش تماماً جراء قلَّة النوم في الليلة الماضية، وشعوري بأن مثانتي ستنفجر جراء كميات الماء التي شربتها منذ الصباح. فَحصُ الكلية اليمنى لم يظهر شيئاً غير عادي فيها. بعد أقل من خمس دقائق طلب مني الطبيب علي أن أقلب جسمي للجهة الأخرى، حتى يتمكن من فحص الكلية اليسرى. بدأ يحرك محول الطاقة فوق الصوتية الذي يشبه ميكروفوناً معداً للغناء فوق جنبي الأيسر. شعرت ببرودة خفية غير مسالة تتسلل إلى عظامي، وهو يرسل موجاته الصوتية إلى جسمي الأعزل، ويلتقط أصداءها، ويحوَّلها إلى صورة. كانت الموجات المرسلة إلى كليتي اليسرى أكبر من قامتي، وزادت من قتامة تفكيري، حين استغرق فحصها وقتاً أطول من شقيقتها اليمنى.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد بدأت أسمع خشخشة قوية من جهاز الكومبيوتر الذي ينتج صوراً سوداء متحركة، وقرأت على ملامح الطبيب الاهتمام الشديد بها، وشعرت بقلق مضاعف. بدت لي هذه اللحظات أطول من دهر ممدد على سكة قطار بوَّابة الميدان، عند مدخل المخيم من جهة شمال – غرب. السكّة التي تأنف مغادرة حقاراتنا الصبيانية حين كانت تدور على امتدادها باتجاه ساحة المجاهد محمد الأشمر، أو بالاتجاه المعاكس الذي كان يمضي بنا صوب محطة القدم للقطارات، التي سأعود لها مراراً بحثاً عن تشكيلات فوتوغرافية لروايتي (نوتة الظلام) *.
لم تكن محطة القطار سوى ترنيمة في الخشخشة الملعونة التي يؤديها جهاز الفحص بالأمواج فوق الصوتية. كل الفولاذ، الذي تتشكَّل منه السكك التي تتناثر أمامي الآن بدت صغيرة، وثكلى، وملتاعة مثلي.
قال الطبيب، وهو يفرك ذقنه: -ثمة كتلة تترَّبع فوق الكلية.
انتفضت مثل ملسوع يسافر في قطار غير مرئي من محطة القدم، إلى مكان غامض، وغير محدد الملامح تماماً، كما يحدث مع بطلي مهيار في الرواية، وقلت، وأنا أتجرَّع الأسى: -هل هي حصيات؟
كنت أريدها أن تكون حصيات كريستالية… حصيات بألوان مُشعّة، وبقياسات مختلفة. لا يهم. المهم أن تكون حصيات!
-لا. ليست حصيات. لا يمكنني تحديد ماهيتها بالضبط.
يجب عمل صورة (متعددة الشرائح) طبقي –محوري لها،
وعندئذ يمكن معرفتها.
التفت الطبيب المحنك إلى شقيقي نضال، وواصل حديثه:
-اذهب إلى الطبيب مازن المنجد، وهو يعرف شغله جيداً.
تشبثت بآخر سكة حديدية ظهرت أمامي في الصورة…
وقفت في الوادي الأخضر المحروق. رجعت ثلاثين عاماً للوراء حين ظهرت لي السكك الحديدية، التي أنشئت منها تحصينات قواعد الفدائيين في عربصاليم جنوبي لبنان. رأيت نفسي عارياً تماماً، ونحن نبحث عن فدائيين اثنين طارا في الهواء من هول الصاروخ الفراغي الذي دكَّ الموقع، ولم يُعثر لهما على أثر. هل احتكما للعدم بسبب اللفظ العنيف للأعداء؟
كانت الأشجار في المكان ممزقة تماماً، والعصافير خائفة، ومزروبة وراء الشتائم، التي يكيلها فدائيو القواعد الأخرى،الذين هرعوا لتفحص آثار القصف الوحشي لكل شيء من حولهم. النهر غاضب، ولا يلتفت لأحد كعادته، أما الماء، فقد كان عاتباً على الأجساد، التي لا تتحلل بتلقائية الشعر، الذي بدأنا نترصد أولى سُميَّاته في حياتنا المقبلة.
كانت السكك الحديدية، قد فقدت صلابتها، وتلوَّت مثل أفاعي الماء التي تحيط بنا. ذابت بالأمواج فوق الصوتية، التي تدّك قلاعي، ولم يعد بإمكاني ملاحظتها، وأنا أسير مع شقيقي إلى حتفي.كان يكفي وضع الجسد على السكة الجديدة، حتى أسأم من كل شيء يحيط بي.
المسافة بين عيادتي الطبيبين علي علي ومازن المنجد لا تتجاوز مائتي متر عيانياً، ولكن بطء خطواتي وشعوري الثقيل بشيخوختي أطالا المسافة حتى غدت ألفي كيلومتر في تلك اللحظة…
كان الطبيب مازن المنجد فارع الطول، ويملك إطلالة شقراء جميلة ومريحة. له شاربان رفيعان هاربان من قصة روسية مجهولة. أخال بأنه لربما امتلك سحنة نيقولاي غوغول نفسه. كان يشبهه إلى حد بعيد.
رآني، فابتسم في وجهي مباشرة، وقد بدا لي أنه على معرفة سابقة بشقيقي نضال، الذي سلَّمه ورقة من زميله أبي الأمواج فوق الصوتية.
قرأها بصمت ثم التفت إلى شغله. جهَّز محلول كبريتات الباريوم الذي يشيع استخدامه في الطب الإشعاعي، وسألني أن كان بوسعي أن أتجرَّعه دون أي نوع من أنواع العصائر، وقال موجهاً كلامه لشقيقي إن طعمه مرٌّ مثل العلقم. ابتسم نضال، وهززت رأسي موافقاً. شربت الكوب دفعة واحدة دون أن أظهر أي تعبيرات سلبية على وجهي. كان طعمه كريهاً جداً، لكنني لم أسأل عن الطعم هنا، وأنا في حومتي. سيان عندي أن أشربه بالعصير، أو دونه. على الأقل سوف أعرف ما الذي ينتظرني حين أغلق فتحتين عسليتين في وجهي، وأرى ماذا يدور في المحجرين الثقيلين النائمين على نهر من ماء الفضة.
غامت الدنيا في عينيَّ، ولم أشعر بحلول الليل في ذلك اليوم. بدا لي أنه نهار طويل ممتد على حافة سكين، وسيشطرني نصفين، في حال توقفي عن التلمظ بشفتيَّ، لأغيّر من دهاء الطعم ومرارته.
كنت أعرف أن ما ينقصني هو المكر، وتدبير الخداع للمرحلة المقبلة. أن أعرف ماذا سأرتدي، حين سيخبرني مازن المنجد بنوع الورم السرطاني الذي أحمله في خاصرتي اليسرى منذ سنتين ونصف تقريباً بعد ساعة من فتنة التصوير المقطعي المحوسب (الطبقي –المحوري). بحسبة معقدة لا أعرف لها بداية ونهاية حسم الأمر ببضع كلمات. قال إن أورام الكلية عادة تكون إحدى عشر نوعاً. خمس منها على هيئة أورام حميدة. ندعو الله أن يكون حميداً. لم أصدق تصنيفه للورم، الذي انفجر في خاصرتي منذ البارحة، وظلَّ يروعني بدفق السائل الأسود الكريه طوال الليل، حتى أنني لم أذق طعم النوم. كررت سؤالي، ولم يجد بداً من مصارحتي بعد توقفه عن درس المراوغة الثقيل بأنه من النوع الخبيث. قال:
-الورم يتكئ على الكلية اليسرى من فوق، ويهدد غدة الكظر، والبنكرياس، والبريتوان، ولكن من خبرتي لا يبدو أنه قد غادر مكانه، وإنما يستعد لغزو غير صريح للأوعية الدموية. إنه يبحث عن طريق سالكة للانفجار في جسمك حيث لن يمكن إيقافه لو أفلت من عقاله.
شعرت فجأة بحالة من الحب الغريب مع كل المخلوقات التي أعرفها في السينما وفي الحياة. من أكبر ديناصور منقرض، وتنين رابض، ونمر مختفٍ، حتى أصغر نملة قفزتُ يوماً من فوقها حتى لا أطأها، بعد أن شاهدت بطلي في فيلم التخرج البلغاري يقوم بذلك مراراً، بحسب مقتضيات القصة. قلت لنفسي فزعاً:
-لن أهرب عند الراهب الصغير في الفيلم. هذه حكاية منتهية!
لقد مررت بمحاذاة ضعفي، وتسلقت أعمدة الكهرباء التي تصطف في عقل خبير الفن (الطبقي –المحوري) إلى مالا نهاية، وتشكّل فيه مدناً من المستحاثات بحثاً عن مخرَجٍ مشرّف، وشعرت بالعتمة تسري في عروقي، وتتنصل من آخر شعاع لمع في جسدي. كانت تلقي بي على قارعة الطريق، وتتكسَّر، وتتناثر على الجانبين.
أي إساءة للضوء تعتمل في جسدي؟!
-هل تعرف جرَّاحاً ماهراً؟
توَّجه الطبيب مازن المنجد بحديثه إلى شقيقي الذي هزَّ رأسه بالإيجاب.
-امضِ إليه الآن، وأخبره أن يستأصل مسكن الكلية وتوابعها. هو يعرفها بشكل جيد. من خبرتي الطبية، فإن الورم ما يزال متربعاً فوق الكلية، ولكنه يتهيأ للغزو غير الصريح كما أسلفت.أسرع أخي نضال. الزمن عامل مهم في حالة أخيك.
ما إن خرجنا للشارع حتى اتصل شقيقي بالدكتور نزار أبو حسان. عيادته لا تبعد سوى خمسين متراً من النقطة التي نقف عندها. لكننا سرنا في الاتجاه المعاكس، لأن الطبيب لن يجيء إلى العيادة إلا بعد ساعة تقريباً.
دخلنا المقهى، وجلسنا صامتين…
لم أطلب شيئا،ً وكذلك نضال!
بعد ربع ساعة من الصمت قلت له:
-يجب أن نتفق على شيء لنخبر به الجميع. أنا سأجري عملية تفتيت حصيات في كليتي اليسرى. لا أريد أن أروع ابنتيَّ ريناد ولينار.
عم تفهم عليّْ خيَّا؟!
هزَّ برأسه “متفهماً” طلبي، لكنه أثار شكوكي حين جاءني صديقي وليد موعد في الليل ليزورني، ويسألني عن حقيقة وضعي، فقد سمع من شخص مقرّب من نضال إن وضعي الصحي خطير جداً. نفيت الشائعة بحديثي عن حصيات الكلية، وشعرت أنه لم يصدق روايتي أبداً. وليد اختفى قبل خروجنا من مخيم اليرموك بيوم واحد، وسرت شائعات كثيرة من حول اختفائه، ولكنها كلها كانت تؤكد مقتله، وان لم ترجّح الجهة التي قامت بتصفيته**…
عندما أستعيد جدول الكتابة الزمنية بعد مرور عشر سنوات على نجاح عملية استئصال مسكن الكلية، وغدة الكظر، والحالب الأيسر، والعقد اللمفاوية، وبقائي متنكراً بهيئتي ذاتها التي اشتهرت بها على قيد الحياة، أفكر وأنا أعيش في السويد، بالنتائج التي كنت سأحظى بها، لو اكتشفت الداء العضال هنا. اختبار بينيٌّ في اللغة التي أؤَّمن بها نفسي فقط، ولا علاقة له بالواقع الطبي المتهالك، الذي يفر منه السويديون إلى طوابير انتظار غير مفهومة. آخر إحصائية سويدية رسمية تقول إن هناك 185 ألف حالة مرضية تنتظر إجراء عمليات جراحية مختلفة، ومن المؤكد أن هناك حالات كثيرة منها ستودع الحياة إلى الأبد، وهي تقف في هذه الطوابير المشرَّعة على الغموض السويدي الذي يلسع بالسياط. الغموض الذي يشبه الثلج الممزوج، بلعنات الذئاب، وعوائها.
المسافة التي تباعد بين عيادات الأطباء الثلاث لا تتعدى ثلاثمائة متر. وهذه إحدى معجزات مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، وبين هذه الأمتار القليلة قفزت بجسمي المتعطل إلى حياة جديدة منحت لي. في السويد كنت سأتوه أولاً في المسافات الشاسعة التي تفصل بين المستشفيات والعيادات، والأطباء الذين يعانون من تردد أبدي اتخاذ القرارات، وكل ما قرأته، وأقرأه عن “السيستم” الطبي السويدي برهن ويبرهن على فشل ذريع في كل الاتجاهات.
الفارق بين لفظين في تشخيص طبيبين أحدهما ينتمي لعالم مبتور، وناقص جئت منه، والآخر ينتمي لمكان أكمل فيه حياتي، هو الشجاعة. ما ينقص الأطباء هنا في المكان الجديد هو أن يكونوا شجعاناً في اقتفاء أثر المرض لا المريض. ما يفعلونه في واجباتهم لا يخرق قوانين الوظيفة التي يؤدونها، وهم تخلَّوا عن الإبداع المهني، للمحافظة على وظيفة يجب أن تتحرر منهم. الطبيب الجرّاح الذي يكون شجاعاً في اتخاذ القرارات السريعة عادة يلعب دوراً كبيراً في إنقاذ حياة المريض، أما الطبيب المتردد الذي يقف في الطابور الأخير، فقد يهلك مريضه فقط، وينجو بوظيفته.
بعد نصف ساعة من قراءة صور (الطبقي – المحوري) قال الطبيب نزار أبو حسان الذي تتلمذ في جامعة دمشق على يد واحد من أشهر جرَّاحي الكلية السوريين، ثم أنهى تخصصه في فرنسا:
-سوف نسـتأصل الكلية!!
-أنا هنا حتى أستأصل.
أردفتُ قائلاً بحماس:
-سأكون جاهزاً في الغد…
ردَّ عليَّ الطبيب ضاحكاً:
-في الغد سوف تقوم بعمل الكثير من الفحوص، لنتأكد من أهليتك في الخضوع للعمل الجراحي. وبعد غد في السابعة صباحاً تحضر إلى المستشفى الطبي الجراحي، في ضاحية السيدة زينب إلى الجنوب الشرقي من دمشق.
والتفت إلى شقيقي قائلاً:
-تعرف المستشفى نضال؟!
هزَّ شقيقي رأسه بالإيجاب. كانت واحدة من تفصيلات مواهبه الضائعة المبددة، التي لم أفهم لها سبباً. لماذا لم يكن طبيباً مثل سواه في البقعة المستحيلة التي يصل إليها مثل هؤلاء، وهم يعيدون ترتيب إدراكنا بضرورة الصحو المؤقت، حتى نكمل ما جئنا من أجله قبيل المحو النهائي.
كانت الفحوصات، والتحاليل، تركز أكثر شيء على وظائف الرئتين والايكو دوبلر للقلب، وبعض الدمويات، وماعدا ذلك فقد استهلكت مني نهاراً كاملاً، وأنا أتنقل بين المخابر، وعيادات الأطباء، دون أن أحسب الكلف المالية المرتفعة، لبعض التحاليل والصور المستعجلة.
ولجت إلى بيتي متأخراً بعد أن سلَّمت الملف كاملاً للطبيب نزار في عيادته، ورميت بجسدي على الصوفا، وأنا أشعر بالإنهاك، وعدم القدرة على التركيز.
توَجَّبَ عليَّ أن أرسل فيلمي الوثائقي (عراقيون في منفى متعدد الطبقات)،للمشاركة في مهرجان برلين للفيلم العربي، وشعرت بالأسى، لأنني لم أتمكن من فعل ذلك إلا متأخراً. قمت بتوضيب القرص المدمَّج، وطلبت من شقيقي أن يقوم بإرساله على عنوان المهرجان، حين تسنح له الفرصة بعد الانتهاء من العملية الجراحية المنتظرة. كنت أعرف مسبقاً أنه سيتوَّلى أيضاً عملية إرسال الكتلة الورمية المستأصلة إلى مخبر القطرنجي في دمشق.
مغارة الكمال النووي
في الأسبوع الأول، الذي تلا خروجي من قمقم العدم الرخو، كان يجب أن أمضي مترنحاً إلى مستشفى الشام الجراحي في شارع بغداد من أجل أول رنين مغناطيسي. الطبيب نزار أبو حسان طلب إجراء مسح للحوض، والبطن، والصدر، قبل وبعد الحقن، بالمادة البهيمية المسماة ب”غادولينيوم”.
هل قلت “غادولينيوم”؟!
الاشتباك مع الروائح الأولى الفاسدة في مغارة الرنين المغناطيسي، لا ينفَّك يقلقني، ويسهم في تشبعي بأخبار الغزوات غير الصريحة التي تنال مني في أمكنة كثيرة. الواسمات الورمية التي لا تُرى، إلا من خلال تظهيرها بالمادة الذرّية الخاملة والسامَّة، قد تكون معبأة ضدي، ويصبح القتل بعدها داخل خلاياي على البطاقة الصفراء المسؤولة فيما مضى عن تكوين مصطلح مناعة القطيع في رحم الدولة البوليسية، الأمنية، المزدهرة من قبل أن يشيع استعماله في علم الاجتماع السياسي، وكنَّا نتجول فيها دون أن تكون لنا وجهة محددة، لا لشيء إلا لأنها مميزة بحجمها الكبير، ووقحة، واستعلائية، وصادرة عن فرع هجرة فلسطين في عين الكرش.
للون الأصفر عنوان ورائحة في كل شيء…
الاشتباك مع رائحة الخوف، التي تجيء من الطفولة البعيدة، مُحمَّلة بأشباح الماضي، قد تشبه أي اشتباك يحدث أمام بناية، أو عند واجهة متجر، أو حتى وراء المتاريس، التي نشيّدها في عقولنا، قبل أن نشيّدها بالأكياس الرملية المضاءة بفخر التاريخ، وشبهات امتثاله في فضاء العيون التي لم تغادر محاجر أصحابها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، لكنها لا تتحقق، إلا من خلال رشحها عبر فلترات الألم من جسومنا الصغيرة المضاءة بالنجوم والذل والمهانة.
عين الكرش، أو عين القرش، لا يمثلان اختلافاً كبيراً في مفهوم الهوية، لأن عين الماء لم تعد موجودة، والقرش الذي كان يشكل رافعة للاقتصاد الوطني، لم يعد شأناَ سيادياً خاصاً بالدولة. إنه رقم بلا رائحة، ولا يحمل شيئاً من الذكريات التي تهاجمنا حين لا نريد، بل إنه صار دليلاً للعار الذي يختلط بالسياسة، في بلد ينتهج منذ عقود أن يكون ناسه منزوعين من السياسة.
في الحارات التي تحيط بعين الكرش، وصولاً إلى حارة الورد الواقعة وراء سينما السفراء، لم يعد هناك نبع ماء يكفي الجميع. شحَّت المياه، ونضبت الآبار، والقرش لم يعد إلى الواجهة أبداً. كانت ورقة الألف التي تحمل صورة الزعيم الخالد قد نزلت بطبعتين إلى الأسواق. الصورة ذاتها دون تحريف، لكن هناك نسختان: النسخة الأولى، التي تحمل أرقاماً متسلسلة سوف تحملها بدورها النسخة الثانية، ولكن هناك خطأ غير ظاهر لم يشعر به سوى القائد الملهم، في النسخة الأولى أدى إلى سحبها من التداول، ما يعني أن الفيلم الذي سيوزع على الصالات هو نفسه، والمخرج هو نفسه، والممثل الأوحد، الذي يدفع بالجميع إلى ارتكاب الخطايا، هو المعمل الذي يقوم بكل العمليات الفنية الخاصة بنسخة الجمهور في المعبد الآيل للانهيار.
كيف يمكن أن تبني معبداً من الملح في صحراء ممتدة إلا ما لانهاية. المعبد لا يقاس بالكيلومترات. الكيلومترات زائفة ورجع حنين زائف. المعبد يقاس بالولاء. ولاء المنتسبين إليه. لكن الصحراء التي لا تعرف تخدع الملح بقسوتها، وقوة التنين الذي تملكه رمالها اللاهبة، وتغيّر من تشكيلة السراب التي تحيط بالمعبد، وتقرر أن السماء يمكن أن تمطر من أجل تدمير المعبد على رؤوس ساكنيه.
يذوب الملح، ولكنه لا يفسد حين يدفن المنتسبين للمعبد تحت أطنانه الكريستالية المشوبة بصفرة غامقة. إنها فكرة الولاء التي تدنّْس جميع المقيمين فيه، ومن قد ينجو، ولا يُدَّنس، سوف ينتظره فساد أعضائه النبيلة، الرخوة، التي لا تعود تنصهر في بوتقة واحدة يسمونها زيفاً الجسد.
خرجت من تحت أنقاض المعبد مثل كثيرين، ولكنني لم أتصالح مع جسدي إلا في مغارة الرنين المغناطيسي، وتحت سطوة “غادولينيوم”. كان جسداً مُدَّنساً، وفاسداً، ورخواً، وجباناً، وكل محاولة منه للظهور بمظهر الشجاع الفادي الذي يتقدَّم الصفوف، كانت محض هراء شاعري لا قيمة له.
فسد الملح في جنباتي…
غادرت إلى مغارة أخرى لا ملح فيها. كان الأمل كذبة المحرومين، وفائضاً عن حاجاتهم. الأمل لم يكن أكثر من ملاكم وزن الذبابة حين يسقط، لا لشيء، إلا لأنه غادر المعبد مبكراً قبل أن يهدم على رؤوس ساكنيه.
فقدت عادة المشي، منذ أن شقَّ الطبيب بطني. كنت أتوكأ على ظلالي حين جئت إلى المغارة لأول مرة. مغارة الدكتور جوزيف سمعان الأكثر شهرة، والأوفر حظاً بين مغارات الرنين المغناطيسي، الخاصة، قليلة العدد الموجودة في دمشق. وربما كانت الأحدث بينها.
مغارة مكشوفة ومريحة، ولا تدفع بالمريض، لأن يفكر بالانتحار. لقد عشت تجربة مماثلة في مستشفى المجتهد الحكومي قبل سنتين من غزوة الكلية اليسرى غير الصريحة حين طلب الطبيب علي كوسا الذي دلَّني عليه المخرج محمد ملص صورة لرأسي، بسبب التهاب مثلث العصب التوأمي. المثلث الناكر للجميل الذي يودي بصاحبه عادة إلى اللقوة المحيطية، أو شلل في الوجه. غشية ما بعدها غشية، وارتخاء في أحد الفكين.
كان الدخول إلى المغارة العتيقة، أشبه بالعبور إلى المصبنة التي ضيَّع فيها أورفيوس حبيبته للأبد، حين التفت بالخطأ إلى الوراء.
المصبنة الوحيدة، التي لا يوجد فيها صابون، وزيوت وشحوم. المغارة الأشد مكراً من الداء العضال نفسه. اسمها العلمي الكامل: مغارة أو كهف، “التصوير بالرنين المغناطيسي النووي”، لكن العلماء فضَّلوا حذف كلمة النووي، لوقعها المرعب على الناس، واكتفوا بالكلمتين الأولين. صارت تبدو أكثر أناقة، ومحدَّثة، حتى لا تسبب للمريض أي نوع من أنواع القلق، والوساوس التي لا تنتهي بانتهاء التصوير دون الحقن بمادة “غادولينيوم” التي تعمل على “تغيير المجال المغناطيسي الموضعي للأنسجة حين يتم فحصها، وتصبح استجابة الأنسجة الطبيعية مختلفة عن الأنسجة المصابة، مما يؤدي إلى إعطاء نتائج مختلفة”.
أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي النووي متقدمة جداً حدَّ السحر كما يقول العلماء، ولهذا ليس لديهم ما يضيفونه لها، بالنسبة للتحقيق في الجسم الإنساني، فقد وصلت قدراتها للحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه، وقد تتوجه بعض الإضافات، والتحسينات عليه في المستقبل نحو التجريب، وكشف المزيد من خفايا هذا الكائن الذي لا يعرف حقاً، ما الذي تنطوي عليه قدرته على التمييز بين ما هو نووي، وما هو غير نووي، أو ما الذي ستكون عليه حالة الإنسان العقلية بعد أن يقرأ كاتبٌ شابٌ رواية لفيودور دوستويفسكي، وكيف تتحرك كل خلية فيه حين يجرب أن يقتل مثل راسكولينكوف، أو أن تحب ممثلةٌ شابةٌ مثل سونيا مارميلادوفا كقديسة معذبة، وتمارس البغاء في نفس الوقت.
نحن أقوياء حين، نكون في مغارة الكذب…
قد يصل الترف النووي حد تخصيص جهاز بالتصوير المغناطيسي لكل إنسان على حدة، أو لكل عضو فيه، لمعرفة أدق تقلّباته، حين يقرأ سطراً مؤثراً من كاتبه المفضل، في الوقت الذي لم ينته فيه سحر اللغة، وسحر الكتابة، وسحر التواصل بين البشر، فيما بلغ الجهاز الذي دخلته على مدى عام كامل أربع مرات، قبل وبعد الحقن بمادة “غادولينيوم”، بمعدل ساعتين ونصف، في كل مرة، أعلى مراحل تطوره، ولم يعد بالإمكان إضافة شيء إليه.
هل هذا يعني أنه لم يعد هناك شيء في جسمي غير قابل للنكران، والاستنطاق، وطرق الانقسام الخلوي فيه، وأن المجال النووي المغناطيسي عرف كل شيء عن التأثيرات النفسية التي ستشكل القرائن الأولى المصاحبة لموت الإنسان بداخلي حين بلغ السحر الأعمى من حولي حدوده القصوى؟!
مجرد سؤال بهائمي لا أريد إجابة عليه…


