الأحد, 11 يناير 2026

غيَّب الموت المخرج السينمائي الهنغاري الكبير بيلا تار، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 70 عاماً بعد معاناة شديدة من المرض. ويُعد “تار” أحد أبرز الأصوات المتفردة في السينما الأوروبية الحديثة، حيث اشتهر بروائعه الملحمية والوجودية المصورة بالأبيض والأسود.

إرث سينمائي خالد

ترك بيلا تار خلفه إرثاً فنياً شكل ملامح الفن السينمائي المعاصر، عبر أعمال أيقونية مثل ساتانتانغو” (Sátántangó) و**”حصان تورينو” (The Turin Horse)**. تميّز أسلوبه السينمائي بلغة بصرية صارمة لا تقبل المساومة، اعتمدت على اللقطات الطويلة جداً، والبطء المتعمَّد، ونظرة إنسانية عميقة للمعاناة البشرية. خلق “تار” في أفلامه عالماً خاصاً يتسم بلمحة “نهاية العالم”، حيث المطر المنهمر دائماً، وعويل الرياح، والطين الذي يعلق بالأقدام.

من الاحتجاج إلى العالمية

ولد تار عام 1955 في مدينة “بيتش” الهنغارية، وبدأ مسيرته الفنية كنوع من الاحتجاج ضد النظام الشيوعي آنذاك. اتسَّمت أعماله الأولى، مثل فيلمه الأول عش العائلة” (Family Nest) عام 1979، بالواقعية الوثائقية. واستخدم فيها ممثلين هواة وكاميرا محمولة لتصوير الحياة اليومية اليائسة للطبقة العاملة الهنغارية في الشقق المكتظَّة، وهو ما عكس نظرته النقدية المبكرة للهياكل الاجتماعية.

التحوّل الفني والتعاونات الكبرى

شكل فيلم اللعنة” (Damnation) عام 1988 نقطة تحول فنية خلقت بصمة “تار” السينمائية الفريدة، مصوراً شخصيات كئيبة وتائهة في عالم مهجور يسير نحو الفناء.

وجاء نجاحه الدولي الأكبر عام 1994 بفيلم “ساتانتانغو”، وهو ملحمة سينمائية مُدَّتها سبع ساعات تستعرض تفكك الشيوعية في أوروبا الشرقية كعملية تآكل بطيئة للمادة والروح البشرية على حد سواء. الفيلم مقتبس عن الرواية الأولى للكاتب “لاسلو كراسنوهوركاي” الحائز على جائزة نوبل، والذي شارك تار في كتابة العديد من أعماله. كما برز اسم المؤلف الموسيقي “ميهالي فيغ” كشريك أساسي، حيث وضع الموسيقى التصويرية لأفلامه ولعب دور البطولة في “ساتانتانغو”.

اعتزال الإخراج

بعد عرض فيلمه حصان تورينو عام 2011، أعلن بيلا تار اعتزاله الإخراج، مؤكداً أنه قال كل ما يريد قوله. وصرَّح في مقابلة عام 2013 قائلاً: “أستطيع تقديم خمسة عشر فيلماً آخر، لكنني لا أريد تكرار نفسي أو تقديم نسخ مكررة من مشاعري”. أمضى سنواته الأخيرة في تعليم صنَّاع السينما الشباب في مدرسته الخاصة في سراييفو، وتقييم المعارض الفنية الكبرى.

وقد أعلن المخرج “بينس فليغوف” نبأ الوفاة لوكالة الأنباء الهنغارية بناءً على طلب عائلة الفقيد، لتفقد السينما العالمية بذلك واحداً من أعظم مؤرخي الروح البشرية.

اترك تعليقاً

Exit mobile version