لا تأتي “طبَّاخ إنغمار برغمان” محمّلة بحكاية، بل بارتجافٍ في المعنى. رواية تُكتب من منطقة النقص، حيث الوعي نصفه ظلّ ونصفه سؤال، وحيث السرد لا يطمئن القارئ بل يوقظه على هشاشته. هنا يُستدعى برغمان لا كاسمٍ للفن، بل كقلقٍ مقيم، كطريقة في النظر إلى العالم من زاوية الكسر لا الاكتمال. نصّ يتقدّم بسينمائية داخلية، لا ليُمثّل الواقع، بل ليكشف ما يتسرّب منه حين ينكسر.
تقدّم “طبَّاخ إنغمار برغمان” نفسها بوصفها نصًاً لا يسعى إلى إقناع القارئ بموضوعه، بقدر ما يعمل على زعزعة يقينه تجاه فعل السرد نفسه. فهي رواية لا يمكن اختزالها في ثيمات اللجوء أو المنفى أو الاغتراب الثقافي، على الرغم من حضور هذه العناصر بقوة، بل تتجاوزها لتطرح سؤالًا أكثر جذرية: كيف يُصاغ المعنى حين تكون الذات نفسها غير مكتملة، أو منقسمة على ذاتها؟
اختيار بطل يولد “بنصف رأس” ــ يحيى ــ ليس مجرّد استعارة للصدمة أو للتشوّه، بل هو تصريح سردي مبكر بأن الرواية ستُكتب من منطقة النقص لا من الاكتمال. فالشخصية هنا لا تبحث عن خلاص تقليدي، ولا عن اندماج ناجح في عالم جديد، بل تتحرّك داخل مساحة رمادية بين ما هو إنساني وما هو تمثيلي. هذا النقص البنيوي في الشخصية ينعكس على بنية الرواية نفسها: سرد متشظٍ، حوارات غير مكتملة، وأحداث تبدو أحياناً كأنها تُروى من خارج الزمن المتعارف عليه. وبهذا المعنى، فإن الرواية تجسّد شكلها قبل أن تشرح مضمونها.
أحد الجوانب اللافتة في الرواية هو تعاملها مع الفن، لا بوصفه خلفية ثقافية أو مرجعية جمالية، بل كقوة ضاغطة تمارس سلطتها على الشخصيات. استدعاء اسم إنغمار برغمان لا يعمل كإحالة ثقافية جاهزة أو محاولة لإضفاء عمق “نخبوي” على النص، بل كرمز لعالم فني مكتمل، صارم، له قوانينه الخاصة. في مواجهة هذا العالم، تبدو الشخصيات ــ من يحيى إلى كريستينا وباباجان ــ وكأنها مضطرة إلى إعادة تمثيل ذواتها، لا أن تعيشها. هنا تتحوّل الرواية إلى تأمل عميق في العلاقة غير المتكافئة بين الإنسان العادي والنماذج الثقافية الكبرى، حيث يصبح الفن مرآة قاسية تكشف هشاشة التجربة الإنسانية بدل أن تحتفي بها.
ما يجعل قراءة الرواية تجربة مختلفة هو أن الكاتب لا يمنح القارئ مفاتيح تفسير جاهزة. فالنص لا يسعى إلى التعاطف السريع، ولا إلى خلق بطل يمكن الانحياز له بسهولة. على العكس، هناك نوع من المسافة المقصودة بين القارئ والشخصيات، مسافة تدفع القارئ إلى التفكير بدل التماهي. وهذا خيار جمالي واعٍ، يضع الرواية في منطقة أقرب إلى الأدب التأملي الذي يراهن على القارئ بوصفه شريكاً فكرياً لا مستهلكاً للحدث.
لغوياً، يعتمد فجر يعقوب على أسلوب يميل إلى الاقتصاد الظاهري، لكنه يخفي كثافة دلالية عالية. الجمل ليست مزخرفة، لكنها محمّلة بإيقاع داخلي ينسجم مع التوتر النفسي للشخصيات. كما أن الانتقالات بين المشاهد لا تخضع دائماً لمنطق سببي صارم، بل لمنطق شعوري، وكأن السرد يتحرك وفق تيار الوعي الجمعي للشخصيات لا وفق تسلسل زمني محكم. هذا الخيار قد يبدو مربكاً لبعض القرّاء، لكنه في الحقيقة يعكس طبيعة العالم الذي تصوره الرواية: عالم بلا مركز ثابت.
من زاوية مختلفة، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها نقداً غير مباشر لفكرة “الاندماج الناجح” التي كثيرًا ما تُقدَّم بوصفها حلاً نهائياً للاغتراب. فالشخصيات هنا لا تفشل لأنها عاجزة، بل لأنها تكتشف أن الاندماج ذاته قد يكون شكلاً آخر من أشكال الفقد. وبهذا، تتحرر الرواية من الخطاب الأخلاقي أو السياسي المباشر، وتختار أن تطرح سؤالها الوجودي بهدوء: ماذا يبقى من الإنسان عندما يُطلب منه باستمرار أن يعيد تعريف نفسه وفق شروط خارجية؟
قيمة “طبَّاخ إنغمار برغمان” لا تكمن في حبكتها بقدر ما تكمن في توترها الفكري. إنها رواية تُقرأ ببطء، وتقاوم القراءة السطحية، وتكافئ القارئ الذي يقبل بالدخول في مناطقها غير المريحة. وهي بهذا المعنى إضافة مهمّة إلى الرواية العربية المعاصرة، لأنها لا تكرر الأسئلة نفسها بصيغ جديدة، بل تحاول إعادة صياغة السؤال ذاته: سؤال الذات، والتمثيل، واللغة، والوجود.
في النهاية، يمكن القول إن فجر يعقوب يقدّم في هذه الرواية عملاً ناضجاً وجريئاً، لا يخشى الالتباس ولا يسعى إلى الإجماع. رواية تُفضّل أن تكون إشكالية على أن تكون مطمئنة، وأن تترك أثراً فكرياً طويل الأمد بدل أن تمنح لذة سردية سريعة. وهذا، في حدّ ذاته، خيار فني يُحسب لها لا عليها.
