الإثنين, 12 يناير 2026

في أكثر من 300 صفحة (قطع متوسط) يستدرج الكاتب العراقي المقيم في السويد وليد هرمز أبطال عمله الروائي الأول (جروح غوتنبرغ الرقيقة) إلى المكان نفسه الذي يحمل عنوان الرواية، ويدلل عليها. منذ السطور الأولى يكتشف القارئ أن المكان يصبح بطلاً، وعلى أبطال الرواية أن يذعنوا لهذا التصريح الأدبي من جانب الراوي هرمتس، وهو الأقرب إلى الروائي نفسه، وماتشابه الأسماء لفظياً إلا للدلالة على سخونة هذا التصريح الذي يحشد في الرواية مسوغات السرد كاملة، وبالطبع كما نلاحظ من التوغل في القراءة إنه لا يتخلل عملية الاستدراج أي تجريح على السطح، لأن التوغل هنا يكمن في الأعماق، ما يشكل ميزة إضافية لهذه الرواية المتعددة الأصوات، والحمولات الثقافية المختلفة التي تكشف عن نوسان واصطفاف واضحين مابين ثنائية شرق – غرب.

المكان بتشظيه بطل متعدد الطبقات هنا أيضاً، وفي كل طبقة يندرج صوت موزع على شخصية من هذه الشخصيات التي تتدافع للظهور على السطح، وقول كل ماصادفته من أحداث، سواء تلك المهاجرة وتحمل معها صقيع المنفى مثل ريباز ومحسن وسارا، أو تلك التي تخضع المنفى الجائر لها ولرواياتها وأصدقائها السكارى من حانة دبلن، آليسا السويدية الشقراء التي فقدت حبيبها في أرض الاغريق انتحاراً، وهي تعيد اكتشاف شيء منه في شخصية الراوي هرمتس، وكأنه القادم للتو من الأساطير الاغريقية ذاتها، التي يلهث وراءها الاسكندنافيون، وهم يسعون من وراء ذلك إلى تظهير كل مايمكن من الصور التي اقتنصتها العيون المربكة والحائرة من معارك مع أرواح متعبة هدَّها البرد، والتعب، والعتم، وقسوة الطقس، ولم يعد متاحاً أمامها إلا أن تبحث عن ممرات آمنة لتحكي عما لديها بأقل قدر ممكن من الخدوش، والجروح، لأن الرقة تفترض هنا أن المكان بوتقة الذي يجتمع فيه هرمتس مع آليسيا هو مكان للحب، والمغفرة. المغفرة عن أي شيء؟

نستطيع أن نتلمس هذا الشعور المستفحل لدى الشخصيات في كل فعل من أفعالها، من خلال تصوير ذكرياتها بالشكل الذي ظهرت عليه في الرواية. هي شخصيات تواقة للحنان وتبحث عن الحب أولاً، والمغفرة تالياً، بطرق غير معهودة، وكأن كل ما حدث في سنوات تشكلها، وبغض النظر عن انتماءاتها الأولى، يوحدها جميعاً تحت شلال الرعب الآدمي الذي مرَّت فيه بمسميات مختلفة، وكأنه مكتوب على هرمتس وريباز ومحسن أن يظلوا مطاردين من الديدان نفسها التي كانت تطاردهم في أوطانهم بنفس القسوة، وربما بأشد منها في المنفى، اذ تتحول إلى عصف ذهني مقيم.

في كل فصل من فصول الرواية سنعثر على واحد من هذه الشخصيات، وليس أمام هذه الشخصية سوى أن تكشف عما هو مستور في عالمها، وكأن تنقيلات هذه العوالم من مكان إلى مكان كفيلة لوحدها بالتعريف بها. التورية في السرد التي يلجأ إليها الروائي والشاعر العراقي وليد هرمز تنص على ذلك، ويمكنها أن تحمل من رموز مالايمكن تحميله واقعياً كما في حال ريباز الذي جاء من كردستان إلى اسكندنافيا ليبحث عن جبل شبيه بالجبل الذي عاش فيه، ويعيد تعريف ذاكرته الأولى، بعد معرفته أن الذاكرة الثانية التي يبحث عنها عبثاً مجرد وهم لايمكن التعويل عليه في حروبه الشخصية مع المنفى العتيد. خطيبته من خططت لهذه السكنى في سفح جبل، وهو يسعى لاهثاً، لتنفيذ الخطة، وكأنه في حرب أخرى مع ذاته، قبل أن يكون في حرب مع الآخرين، فهو لايحلو له “الجنس” إلا على سرير تحت جبل”، وسوف يعمل حين يستقر في بلاد الفايكنغ على نقل خبرة أبيه في زراعة التبغ إلى هذه البلاد، فعلم الأكراد ليس إلا ورقة تبغ.

صحيح أن ريباز يحتل فصولاً وأحداثاً كثيرة (إلى جانب الآخرين)، جرت من بين أصابع الراوي والروائي على حد سواء، فهما ماإن يترقرقا كواحد على سطح المحيط السردي للشخصيات الأخرى حتى تظهر رواية (جروح غوتنبرغ الرقيقة)، وكأنها روايته هو (ريباز)، وأن هرمتس الراوي والروائي، ومحسن ليسوا إلا ضيوف عليه، إلا أن الشخصيات الأخرى التي تعبر من خلال الفصول المتعددة تخلق نوعاً من التوازن السردي لايمكن التخلي عنه، ولو في سطر واحد. مايفعله الكاتب والروائي وليد هرمز في تخطيطاته، وان كانت روايته الأولى، التي تعد بجزء ثانٍ كما هو مكتوب على غلافها تكشف عن حرفة واضحة في ادارة أدواته، وأن ظهور أليسيا وسارا في الجزء الثاني، ان ظهرا بالطبع، يعد بالكثير. سارا هي ذاكرة الراوي من المرحلة اللبنانية. الذاكرة التي لاتفارق هرمتس، وان ظهرب بلبوس آخر، فإن أليسيا، الروائية السكيرة التي تخترع تعريفات كثيرة لعوالمها قد تكون مرآة الذاكرة الثانية المستحيلة التي تخلط في الأساطير، وقد تكون اخترعت انتحار عشيقها غوستاف على شاطئ يوناني، وكأنها تبحث عن أسطورة جديدة تقود إلى منحنيات عاطفية لايمكن الاستغناء عنها، وقد تصبح بطلة مطلقة في الجزء الثاني. نحن الذين استمتعنا بقراءة الجزء الأول لايمكن إلا أن نتكهن، أو بعبارة أدق لايسعنا إلا أن نفعل ذلك مع شلال الذكريات الذي يجيء من أغنية (وحدن). نكاد نجزم أن كل واحد فينا كقراء لهذه الرواية، لابد أن يصيب شيئاً من هذه العاطفة. هي منحنيات تحت جبل أدبي قائم بين الأوراق، ويمكنها أن تغوي الجميع.

اترك تعليقاً

Exit mobile version