انتهى يحيى من إعداد طاولة الاستحمام. لم يُرد لطقس اغتسال الأب أن يبدأ، وينتهي بالشكل المعتاد، كأن يجلس على كرسي خشبي، ويقوم بدعك جسده المترهل من رأسه حتى أخمص قدميه، بالاسفنجة، والصابون، والماء الساخن، فيما تتسرَّب بقايا الرغوة إلى زاوية في فمه المفتوح، وتدفعه للهيجان، وإطلاق سيل من الهمهمات البذيئة غير المفهومة التي تعكسها بسهولة ملامح وجهه الشيطانية.
لم يكن متيقناً أنه يعرف منشأ الطاولة، فهو قد اشتراها قبل شهور من إحدى محلات “السكند هاند” المنتشرة في غوتنبرغ، وتركها في صالون البيت، ولم يعاملها باحترام كما اعتاد أن يعامل طاولة إيكيا، بالرغم من إتقان صنعتها، فهو لا يقربها، ولا يكتب، أو يأكل عليها، ويكتفي بإلقاء نظرة صباحية عليها، عندما ينهض لغسل وجهه، كأن يلقي التحية عليها، ويكتفي بابتسامة صغيرة. إنها طاولة يتيمة، وربما كانت تشعر بالبغض الذي يكنّه لها، كما لو أنها ضرَّة الطاولة المدللة “بنت إيكيا”.
كانت طاولة قديمة، ومتينة، مصنوعة من خشب الموسكي. ربما وجدت طريقها إلى محل السلع المستعملة بعد أن مات مالكها الأصلي. كان يحيى يستدرك في سره، مالايمكن قوله علناً، ويفضّل أن يقول مالكها، وليس مالكتها، فطاولة بهذه المتانة والوزن، لابد أنها تخص ذكراً قوياً، فمع تقدمها في العمر حال لونها، وحلَّ اللون الأزرق الداكن محل اللون الأبيض الفاتح الذي كان يميز خشبها القاسي، ولم يتم التخلّص منها إلا بعد موته على مايبدو.
لم تكن فرضية يحيى في أي من جوانبها حول ملكية الطاولة مهمة، أو تعني شيئاً لأحد سواه. كانت مجرد كلمات لا قيمة لها، وهو دأب كعادته على كتابة شيء مع كل أثاث يشتريه من هذه المحلات التي لاتكتفي بإعادة تدوير السلع المستعملة، بل وتعمل على خلق ذكريات لأصحابها المتوَّفين، أو الذين يتخلون عنها طوعياً لأسباب شتى. كل ملعقة صغيرة من ملاعق الشاي النحاسية التي اشتراها بالأمس تملك فكرة لا تغادرها عن دفء اليد التي أعادت تحريك قطع السكر البيضاء في كأس ماء ساخن ببطء ملحوظ، و به ظرف من شاي إيراني أو هندي أو انجليزي، أو حتى أكياس ليبتون المزيَّفة ذات العلامة الصفراء. من طريقة دورانها، قد يكتشف المرء عشرات الأيدي التي لمستها، وعشرات الأفواه التي شفَّت من طرفيها، الناعمين، هذا الماء السحري، لتعرف إن كان الطعم حلواً أم لا.
لقد رأى، وهو نصف نائم أن القبلات بين الذكور والاناث التي رنَّت على هذه الطاولة التي يتمدَّد عليها أبوه كانت تدور بذات الطريقة.
“السكند هاند” الذي يدور الحديث عنه صانع للمعجزات في السويد!
لقد ظهر الترهل على جسد الأب السبعيني واضحاً في اللحظة التي كان يرفعه يحيى ليريحه على الطاولة. كان عارياً تماماً، ويغطّي صدره شعر أبيض كثيف، وكرشه صغيرة مدورة، وثمة جراب لحمي لخصيتين متهدلتين بين ساقيه، كأن القدر نسيهما هناك، ولم يعد يلتفت إليهما.
أمسك يحيى بطاسة من الألمنيوم، وملأها ماءً ساخناً من سطل بلاستيكي، ودلقها على جسد رجل هرم، ومتعجرف، ومهزوم، فلم تند عن صاحبه نأمة. دارت صابونة سيم في يده، ونتج عنها رغوة كثيفة. حدَّق يحيى بالعلبة التي اشتراها من محل بقالة عربي في مجمَّع أكشون التجاري. كانت خضراء تناسب العبارة المكتوبة عليها: “صابون سيم بالليمون الأخضر”.
-“حمامك تعاسة حمامك خرا..هلأ خلص دورك، وصار دوري أنا”!
كانت مجرد كلمات بذيئة خطرت بباله…
حدَّق الأب به باحتقار. أراد أن يقول شيئاً، وأخفق بنطق حرف واحد. لم يكن إنساناً كاملاً ليُعبّر عن رأيه، وأفضل وسيلة تضمن له حريته في هذا البيت كانت الاستماع إلى نشرات الأخبار بصوته.
كانت فسحة اضطرارية لا يقوى على شيء آخر سواها.
لم يعد في جعبته مايفعله في هذه الحياة التي تشارف على نهايتها!
استطاع يحيى أن يحفظ بعض الأنباء التي تًذاع عبر الكاسيتات من وراء ظهر أبيه، من باب الترفيه عن نفسه، عندما كانت تضيق أحواله به، و لم يكن يلتفت إلى تصرفاته، واعتبرها وسيلة للتخفيف من مشاكله، لكن سطراً واحداً كتبه الأب على سطح ورقة بيضاء، ومرَّرها له في وقت لاحق أثناء تناول طعام الافطار أبدى فيها رغبة شديدة بإحضار رفات أمه من “مقبرة الكفَّار في جزيرة سراقوسا”، ودفنها في مقبرة قريبة من البيت يُطلق عليها “أرض الدفن المعاصرة”، كانت سبباً في توتر العلاقة بينهما إلى أقصى حد ممكن.
حقاً، ما الذي يريده رجل مشلول، وأبكم، ولا يقوى على قول كلمة ترحيب واحدة بحق ضيف زائر من عظام امرأة ميتة، وهو لم يظهر لها الاحترام في حياتها؟!
تغيَّر لون سحنته، كما لو أن تساؤله قد اجتاح كيانه، وتمدَّد وتقلَّص عشرات المرَّات في كل عضلة من عضلات وجهه. لقد ضغط بأصابعه على ربلة ساقه اليمنى، وهو يمرر الاسفنجة على فخذه ببطء، و دعكه بقوة، و دلق عليه ماءً ساخناً. أعاد ترنيمة اعلان صابون سيم ثانية، “- حمَّامك تعاسة، حمامك خرا…هلأ خلص دورك، وصار دوري أنا”.
لم يكترث الأب للترنيمة البذيئة التي كان يرددها ابنه يحيى على مسامعه، بعكس المرة الأولى حين رماه بنظرة احتقار. شعر أن هناك فاصل زمني قدَّره بالسنوات قد عبره وحيداً وعارياً بين المرتين، ولم يعد مهماً ردَّ فعله، وهو ممددٌ على طاولة بدت له في هذه اللحظة أنها مخصصة لتغسيل الموتى، على أن تليها طقوس الدفن الحارَّة والبكاء والحداد. غالباً يكون الطقس التالي في هذه الحالة موجعاً، ولكن هنا يبدو الاختلاف واضحاً:
لا وجع ولا ألم.
شعر يحيى، وهو يلف جسد أبيه بمنشفة بيضاء كبيرة بورطة لم يعد بوسعه تفاديها إن استمرأ حالة العصيان التي ظهرت عليه، وصار مهماً عنده أن يقنعه في المرَّات القادمة بجدوى أن تتولى موظفة الرعاية الاجتماعية تغسيله، وابتسم عندما عاد إلى طقطوقة الاعلان التجاري، بشيء من اليأس غير المفهوم.
عاد إلى سريره ملفوفاً بمنشفة بيضاء خشنة، وشعره قد جفَّ تماماً، وذهبت عنه روائح الدهون التي تراكمت فيه، ووثَّقت ضعفه، فأصابعه التي كانت تعبث فيه قبل أن يدخل استوديو قراءة الأخبار أصبحت ضعيفة جداً.
في الواقع كان يمتلك خامة صوتية محيّرة، ولم يكن بحاجة إلى تمارين إحماء للحبال الصوتية مثل سواه من المذيعين، ولكنه كان يتأتئ خارج الاستوديو، ولم يكن بوسعه حفظ جملة واحدة دون أن يخطئ في نطقها، ولا تحدث المعجزة إلا عندما كان يقرأ النشرة الاخبارية.
لا أحد بالطبع كان يعرف كيف تجاوز مراحل التدريب الأولى في معهد الإعداد الإذاعي. ثمة شكوك تحيط بطريقة قبوله. تردد أن جهة أمنية كبيرة وقفت خلفه، ولكن لم يمض وقت قصير على نشاطه المحموم في أروقة المعهد حتى لفت انتباه جميع أساتذته إلى قدراته غير العادية في تحرير وتصدير الخبر المقروء. كان يتأتئ خارج الأستوديو، ويقرأ بفصاحة غريبة داخله كل الأخبار التي يضعها أمامه معدو النشرات، والمحررون المعتمدون من الادارات المتعاقبة، ولكن عندما وقَّع المدير العام الجديد لهيئة الاذاعة والتلفزيون قرار احالته إلى إعداد البرامج المنوَّعة، فقد بريقه، ولم يعد إلى سابق عهده كمذيع.
لم يكن ممكناً قول شيء في مثل حالته، سوى أنه قد حيَّر كل من عرفه عن قرب.، فقد كان في زمنه ظاهرة محيَّرة مثل نجم قيد الاكتشاف في مجرّة غامضة!!.
****
ما إن غادرت كريستينا ساحة الملك غوستاف أدولف حتى علقت في بناية “أحمر شفاه” ليلة كاملة. كانت ناطحة سحاب من 22 طابقاً تقع على حافة نهر غوتا بالقرب من دار الأوبرا، وتبعد عن النقطة التي افترقا عندها حوالي 400 متر، وسميت بهذا الاسم، لأنها مخططة بلونين أحمرين، ولون أبيض في الوسط. إنها مقاربة تجريدية لحركة الشفاه الأنثوية، ولدت فكرتها مطلع ثمانينات القرن الماضي على يد المهندس المعماري رالف أرخين.
عندما وطأت قدما كريستينا الباب الرئيسي الضخم لم تكن العمارة الشاهقة قبيحة كما يُظَّن. كانت مقراً لمن يريد أن يحقن نفسه ببعض الأمل، و يتزوَّد بنظرات فاحصة لمدينة غوتنبرغ التي تتبدَّل أمامه في كل ثانية. عشرات المكاتب للشركات تحتل طوابقها من الأسفل للأعلى، وعشرات القلوب تُفتح لها، للحديث عن الثراء الفاحش الذي ينتظر الجميع في المستقبل.
لماذا ابتسمت كريستينا في ذلك اليوم، وهي تقرأ قائمة بأسماء الشركات المتراكمة فوق بعضها البعض بأكثر مما يتخيَّله مخلوق، وتسبب تضيَّقاً ملحوظاً بين الخطين الأحمرين اللذين يضغطان على أعصاب المقيمين والزائرين في المبنى الضخم، ولا تترك للوسط الأبيض الذي يعكس كل رموز البراءة الآفلة مجالاً للتنفس؟!.
كان من المبكر معرفة سبب ابتسامتها، فقد كانت تمر من أمام واجهة غامقة تغطي على حدثٍ ما، ولم يكن هناك سبب منطقي لدخولها المبنى الضخم بعد أن ودَّعت يحيى، سوى أنها أرادت أن تصعد لأعلى نقطة فيه، وتبحث عنه بعينيها. كانت فكرة مجنونة في الواقع، لكن تأثير الأفلام الرومانسية الكورية عليها كان أقوى من أي شيء آخر في الوجود.
ليس من المؤكد أنها شاهدت شيئاً من هذا القبيل في أي من هذه الأفلام التي أدمنت على مشاهدتها دون سبب جليٍ وواضحٍ، فهي لم تكن من الشخصيات الحالمة، ولو أنها كانت كذلك، لما عملت سائقة ترام، اذ أن هذه المهنة تحتاج إلى مهارات الخشونة، والتواضع في نفس الوقت، وهي لم تكن متواضعة، أوصبورة، أوحتى متسامحة مع من هم حولها. كانت أنثى، ولكنها شيئاً فشيئاً، وقعت أسيرة مشاعر متناقضة لاتدرك كنهها دفعتها باتجاه مشاهدة هذه الأفلام التي غزت العالم جنباً إلى جنب مع شقيقتها من أفلام العنف التي لاترحم. كان غريباً أن عالمها صنع من نوعين متناقضين في نفس الوقت، في ما لم يكن واضحاً ما إن كان مشاهدو النوعية الأولى، هم ذاتهم من يشاهد النوعية الثانية. الرومانسية والعنف في سلَّة واحدة. الرومانسية غذاء العنف في عالم اليوم. لاتكون عنيفاً إن لم تكن رومانسياً، ولاتكون رومانسياً إن لم تكن عنيفاً؟
لقد كبرت النقطة من حوله بالتدريج حتى استوفت شروط رومانسيتها!
كانت كريستينا قد تجنَّبت مشاهدة هذه النقطة، وهي تتدحرج وتكبر حتى صارت نجمة “الولد العجوز”. فيلم عنيف بكل المقاييس، ربما لم تعرفه بعض الأفلام الأخرى التي شاهَدَتها من قبل. حتى النسخة الأميركية المعدَّلة بتوقيع المخرج الأميركي سبايك لي فشلت باقتفاء اللحن الدموي الذي ألَّفه وأخرجه الكوري بارك تشان- ووك. بين النسختين حوالي عقد من الزمن، كانت الرومانسية المحدَّثة في عالم اليوم قد بلغت أوج قوتها خلاله، وصار بوسع من يشاهد النسختين، تباعاً، أن يدرك أنهما سوف تتسعان لكل شيء حد ابتلاع الرغبات المبهمة لكل كائن بشري قادر على النوم والانقياد إلى الحلم، وسوف تتحوَّلان مع مرور الوقت إلى جائحة مرغوبة، من الجميع، ومقلدة، وتعزف على موجة واحدة.
ابتسمت كريستينا وهي تعبر من أمام واجهة أبرشية غوتنبرغ التي تمتلك مكتباً في هذه العمارة الشاهقة. وتساءلت عن سبب وجود مكتب للكنيسة السويدية في عمارة مجنونة في الشكل والمظهر. لم تستهجن التبدلات التي تضرب كل شيء من حولها، ففنون التسويق الحديثة التي تدور بين جدران هذه المكاتب الحديثة طالت كل شيء.
أول شيء فعلته أنها ابتسمت ابتسامة مترفّعة بعض الشيء كشفت عن سريرتها، وكان أقل شيء يمكن أن تفعله، وهي تضغط زرَّ المصعد، أن تبتسم بهذه الطريقة التي لم تكن تعرفها من قبل.
لقد أرادت أن تضحي بوقتها، الذي لا يحمل قيمة بحد ذاته، وتؤجل مشاغلها للمساء، كأن تتسلَّى قليلاً بفكرة مجنونة غزت رأسها ما ان افترقت مع يوهان. لم تتذكر منه شيئاً سوى اسمه. نسيت ملامحه، وتدويرة وجهه التي كانت تشوبها استطالة خفيفة غير ملحوظة، واختارت الاسم الذي علق بذاكرتها، وخبأته في زاوية عميقة من صدرها، وصار ممكناً أن تنطقه باللغتين. أرادت يوهان. لا أحد سوى يوهان، وقد شعرت أنها ستتحرر من المسمار اللحمي لصدام حسين الذي ينغرس بين فخذيها دون أن تفقد وعيها.
لم يسبق لها أن تخيَّلت حجم هذا المسمار، ولم تسأل نفسها عنه ولو لمرة واحدة، ولكنها كانت تؤمن بضخامته، وكانت تكتفي بالابتسام، عندما تتساءل صديقاتها المقرَّبات أمامها عن أسباب عزوبيتها الطويلة!
سألت نفسها، وهي تدخل المصعد، وتشعر بطنين مفاجئ في أذنها اليسرى:”- لماذا يبدو العالم بأسره من فوق، ونحن ننظر إليه مثل نقطة صغيرة في محيط، لاهو عالم هائج، ولا هو عالم مستقر ؟!”.
لقد أدركت الإجابة لتوّها حين أخذت تحملق في المرآة داخل المصعد. كان سطحها نظيفاً، وملمعاً، وكانت تعكس، ليس مثل أي مرآة ثمينة حَدَّقت فيها من قبل، وجهها المشوب بحمرة خفيفة. لم يُقدَّر لها أن تراه بمثل هذه الحمرة الغريبة التي غزته الآن. وهمست لنفسها مستسلمة أمام المرآة بأنها لن تذكر شيئاً عن سبب صعودها إلى أعلى نقطة في عمارة “أحمر شفاه” أمام أحد.
لم يكن هناك بالفعل سبب منطقي تخبر عنه حين سلكت هذا المنحى الغريب. حاولت أن تقنع نفسها بذلك. لكن الفكرة المجنونة التي عنَّت على بالها لم تترك لها مجالاً حتى تتوارى خلف ساترٍ ما، فلا يعثر عليها حُرَّاس أمن المبنى، اذ هرعوا لاعتقالها بعد رصدها بالكاميرات المثبتة في أرجائه. كانت قد مطَّت بجسمها نحو الأسفل، بعد أن تسلَّقت سور الطابق الأخير بخفّة، وبحثت بنظراتها في جميع الطرق التي قد يسلكها يوهان، وخُيّل إليها أنها لمحته، وهو يدخل محل فطائر القشطة المحلاة بالعسل. أقسمت بأنها قد رأته، من بين كل تلك الجموع المتفرقة، القليلة العدد، التي تعبر الزقاق القريب منه في مثل هذا الوقت من المساء. لقد انتظرت حوالي خمس دقائق أو عشر دقائق قبل أن تشاهده، وهو يخرج من المحل، ومعه كيس ورقي استَّل منه لفافة بيضاء. كانت فطيرة قشطة، وقد أخذ يتلذذ بقضمة منها، وكان واضحاً بالنسبة إليها بما فيه الكفاية، لتدرك كم أنه قد أحبَّ هذه الفطائر، التي ربطت بينهما، وخمَّنت أنه سوف يعود مرات أخرى إليها، لأنها قد وضعت بداخلها شيئاً من روحها فيها. خلطة سحرية غير مرئية لأحد سواه.
قررت كريستينا باسمة، وباسم الحب، ربما، أنها ستجيء في أوقات متباعدة، لتتفقد المحل، وتتناول فطيرة منه كلما عنَّت على بالها.
لقد أدركت أن هذه الذكرى هي أثمن من أي كنز بالوجود، وفكرت أنها سوف تلتقي دائماً بيوهان هناك، وان لم يجيء، فستكفيها رائحة الفطائر نفسها، كأن التقليل من شأن فرضيتها المجنونة لم يكن ممكناً على كل حال، فقد كانت نوعاً من الهندسة العاطفية لمايسميه الناس العاديون بالحب من أول لقاء.
“على من يقع في مرمى مثل هذه الفرضيات المجنونة أن يستعد لكل شيء”. قالت متخابثة، وشعرت بقدرات غريبة على الاستغراق في أي حديث قد تنجَّر إليه لتتحدث عن تجربتها. ربما لن تنقصها الكلمات لتشرح للمقربين منها فعلتها في هذه العمارة الضخمة.
ما إن اختفى يحيى في زقاق حجري موارب، وعادت كريستينا إلى وضعيتها الطبيعية التي كان عليها جسدها قبل أن تعثر عليه، حتى أمسك بها حرّاس الأمن، بعد أن حاصروها، وقاموا بإلقائها على الأرض، وشلّ حركتها بتقييدها، واقتادوها إلى غرفة على نفس السطح، ولم يوجهوا إليها أي اتهام، أو يتبادلوا معها أي أحاديث جانبية، واكتفى أحدهم بدفعها برفق داخل الغرفة، وأغلق الباب عليها.
لم تشعر بالسوء، بل شعرت ببعض النشوة، بعكس مايحدث في مثل هذه المواقف المحرجة، ولم تفتح فمها بكلمة واحدة. أرادت أن تبتسم حتى تخفف من جدَّية الموقف، وأحسَّت أنها نجحت في التقليل من شأن اعتقالها، واكتفت بتحريك شفتيها بأصابعها، ولكن بعد مرور ساعتين، عندما أحست ببعض العطش، صارت تقلّد بعض الابتسامات التي تعرفها، لتخفف من شعورها بالعطش، فقد بقيت دون ماء، لكنها لم تنجح، وشعرت ببعض الخوف، يتسلل إلى قلبها، لأن شباكاً صغيراً في أرضية الغرفة فُتح بشكل مفاجئ، وألقى شخص ما لم ترَ وجهه بشطيرة همبرغر، وزجاجة مشروب غازي، ثم خُيّل إليها أن تلك الفتحة قد اختفت من الحائط نهائياً، كأن، لم تكن موجودة فيه من قبل.
تسلل خوف أكبر إلى قلبها، وأدركت بأن ما يحدث معها سبق لها، وشاهدته في فيلم (الولد العجوز) بالفعل، وهاهو يتكرر معها بشيء من التفاصيل ذاتها. خافت أكثر، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، لأن بطل الفيلم بقي محتجزاً في الغرفة نفسها خمسة عشر عاماً دون أن يعرف سبب احتجازه. بحلقت في أرجاء المكان، تبحث عن شيء يعينها على التفكير بطريقة تساعدها على الخروج من عمارة “أحمر شفاه” اللعينة، وشاهدت تلفازاً يبث أخباراً عن دونالد ترامب، وأنصاره الذين يهاجمون مبنى الكابيتول، وينشرون الفوضى والذعر والدمار حولهم.
فهمت أنها وقعت أسيرة الفيلم، وأن مصير “أوه – دايسو”* ينتظرها.
بقيت شطيرة الهمبرغر على حالها، ولم تقربها بالرغم من شعورها بجوع مضني، واكتفت بالمشروب الغازي لتستمد شيئاً من طاقتها المفقودة.
في الصباح التالي حدث مالم يكن متوقعاً بالحسبان. فُتح الباب على مصراعيه، واقتادها رجل حراسة سمين، من أصول شرق أوسطية واضحة، ويرتدي حلَّة كحلية ثقيلة إلى المصعد، ونزل بها إلى الطابق الأرضي، وفي البهو الواسع، أشار لها بيده أن تخرج من الباب الرئيسي دون أن يكلَّمها كلمة واحدة. أرادت أن تسأله سؤالاً لكنها تراجعت، فلم تكن تبحث في الواقع عن إجابة لشيء ما، وبقي السؤال معلقاً على شفتيها. كانت تعرف تمام المعرفة أنها لم تحظ بأي إجابة عن أي سؤال طرحته منذ أن غادرت البوسنة والهرسك، وهي طفلة. لا أحد يحظى بإجابة حقيقية عن أي مشكلة قد تصادفه في حياته عندما يغادر بيته الحقيقي، ومع هذا منعها رجل الحراسة الضخم من التفوه بحرفٍ واحدٍ، بحركة من يده، ودعاها لأن تغادر المبنى دون إبطاء.
شعرت كريستينا ببعض الأسى، وهي تغادر. لقد غادرها خوفها، وأحسَّت أنها ربما أرادت أن تجرّب شعور بطل الفيلم “أوه – دايسو”* الذي سُجن خمسة عشر عاماً بين جدران صمّاء دون أن يعرف السبب، وتوجَّب عليه أن يبحث عن سجَّانه للانتقام.
أعادت ترديد جملته الشهيرة من الفيلم:
-“اضحك، يضحك العالم معك. ابكِ، وستبكي وحدك”.
حقاً، “الإنسان حيوان يستحق العيش” – أضافت بعد هنيهة، وهي تعبر بمحاذاة تمثال الملك غوستاف أدولف. شعرت أنه أخفى يده في جيبه. اقتربت منه أكثر. كانت يده قد تحرَّكت من مكانها بالفعل. هل شعر بالخجل والاحباط، وهو يفكر بعمارات شاهقة تنبت من حوله كالفطر، وتمتلئ بممثلين عن شركات تجارية بأسماء لا حصر لها؟ هل أحسَّ بأن هذا العالم الذي جاء إليه، وبيده صولجان من الذهب، لم يعد عالمه الذي أشار إلى بناء مملكة أحلامه فيه، ولزم عليه أن يغادره في أقرب فرصة؟!
لكن أين سيذهب بكل هذا البرونز الثقيل الذي يغطي جسده ويبطئ حركته؟
كانت الساعة قد تجاوزت السادسة صباحاً بقليل، واستغربت وجود شاب ثلاثيني بسحنة شقراء، و بنطال ممزق عند ركبتيه يجلس تحت التمثال في هذا الوقت المبكر، وهو منكب على كومبيوتره المحمول. كان يحملق فيه، وأصابعه لاتهدأ من النقر على لوحة الأزرار بسرعة رهيبة. لقد اعتادت مشاهدة نظراء مثله يربطون الليل بالنهار قبل أن يصلوا إلى مكاتبهم الأنيقة التي تراعي الدقَّة الصارخة في تصميماتها، ليغيّروا من إيقاع المدينة، وشكلها.
“الحياة زنزانة كبيرة”…
يمكن تلخيص مسار حياة كريستينا بالكلمات التي قد لاتعجب أحداً، وقد لاتعجبها هي نفسها. لقد أرادت أن تتوقف عند هذا الحد، اذ شعرت بالغضب فجأة، واحتقن وجهها. رأت أن الحياة نفسها في عمارة “أحمر شفاه” ليست إلا معضلة في الواقع، يمكن أن تتحوَّل إلى سجن كبير بضغطة زر تبدأ من مصعد ألماني الصنع في الطابق السفلي، لايتوقف عن الصعود والنزول، ولاينتهي في العبور الحر بين طوابقها، فليس من المؤكد أن هناك نهاية لعدد الشركات التي سيتوقف عندها، لينزل من استقلَّه من تحت في المكان الذي يقصده بين الطبقات نفسها. الرقم أعلى من ذلك بكثير.
الطوابق نفسها تتبدّل في كل لحظة. تزيد وتنقص بحسب الحاجة!
كيف ستُصنع الهشاشة دون التعريف بقوة المصعد الألماني الجبَّار الذي يتفوق على ماعداه من مصاعد في عمارات أخرى؟
كان الملك غوستاف أدولف قد شعر ببعض الخجل حقاً،
وقام بإخفاء يده في جيبه ذلك الصباح!
