الصديق الذي كتب باسم مستعار مدة عشرين عاماً، ورجع خائباً إلى اسمه الحقيقي بعد سقوط صنم بغداد رحل قبل ثلاثة عشر عاماً في حلب. لم أعرف حقيقة شعوره، وهو ينتسب إلى اسم عراقي جديد (اسمه الحقيقي في الواقع) لم يحمّله لأي من مجموعاته الشعرية التي صدرت في دمشق على مدى عقدين من الزمان.
لم يكن هناك بيننا من أصدقائه من يكترث باسمه الحقيقي، وما من أحد منَّا سأله عنه أبداً، ولم يكن هناك من يشتغل على همس الأسماء في بغتة عن الأعمار التي تصيدناها على عجل، ونحن نبتعد تدريجياً عن حليب الرضى وكنوز القناعة التي لا تفنى.
هذا الصديق كان يعتاش على شبح طلاوة فقدها لسانه منذ أن كتب باسمه المستعار، وكانت “بذاءاته” اللطيفة، وهو يرفض أن يتعاطى أدوية الشعراء البطولية (حشيشة الكيف بحسب بودلير) بمثابة رفض الاعتراف منه بزنخ الأساطير الجديدة: الاستيلاء على السلطة، دكتاتورية البروليتاريا، والوطن الحر ، والشعب السعيد.
عندما عرض عليه شاعر مبشّر في مخيم اليرموك حشيشة الكيف المخزَّنة بطريقة حرفية في “بوري الصوبيا” بحضوري في ليلة دمشقية عاصفة وباردة كان ردَّه:
– غواويد باگر أستلم السلطة بالعراق، وتگولون گان يحشش ويانا..!!
هذا الذي يقصده الأصدقاء على عنوانه قابع في التأمل، فقد كنا نجد فيه أيقونة من المرمر الأصلي في حانة (أبو هاغوب) في حلب، فلطالما وقف هذا الشاعر، لحظة الخروج عند ناصية شارع ليتحرّش بصبية لم يكن مهماً أن تكون جميلة جداً، فقد كان يكفيه أن يرمقها بنظرات كانت تدمي في الأساس قلبه المنهك:
– اطيها النار يا معوّد.
لم نكن نفهم من يقصد بصراخه، وهومن جهته لم يشر على أحد منَّا أن يقوم بمديح النار على طريقته، وأنا من جهتي كان يُخيَّل لي أنه يزأر أحياناً مثل أسد مترو غولدوين ماير الذي لا يهرم أبداً، إذ لم يكن يبدو لي أنه سيتوقَّف يوماً عن زئيره. وهذا الزئير كان بمثابة الرابط الخفي بيننا كلينا، حتى أنني رجوته مرة أن يغرق مثل سفينة تيتانيك حتى أكتب قصة عنه، وأذهلني بهدوء تقبّله للفكرة، حتى أنه شاهد فيلم جيمس كاميرون ثلاث مرَّات كما قال لي حين تعب قلبه، وأصبح يثقل عليه في صدره، وكان في كل مرة يردد بأن وجاق سفينته محشو بأطنان من الفحم الحجري كي لا تغرق بطلته “روز”، حتى لو قضى هو مثل “جاك” في مياه المحيط الأطلسي الباردة. وكأن الوجاق هو مرمر القصة كلها، فكلما اشتدَّ أوار النار فيه كنت أقترب من إغراق السفينة إذ لم يكن بحوزة قبطانها الماكر ما يكفي من الحجج لإطالة أمد الزئير في القاع، فثمة من يعيد رتق الأحجية، ويخيط من غرامياته الخيالية قصصاً إضافية للمسلسلات التلفزيونية والأفلام.
التقيته لأصوره في فيلم وثائقي،وقد نزل عن ظهر السفينة الغارقة، وتخلَّى عن حلم الاستيلاء على السلطة في بلاده بعد أن رأى ما رأى، وسألته بغتة: ما رأيك بيوم الكتابة البلغارية الذي يصادف في 24 أيار من كل عام؟!
قال مستغرباً سؤالي: “منيوك” ..ما دخلي أنا بهذا اليوم؟!
قلت: رويدك يا بودلير العرب (كان يستسيغ لقب بوشكين العرب أكثر، حتى أنه في ثمانينات القرن الماضي أطلق سالفيه تشبَّهاً به في رسمه المشهور ).. أنا أريد أن أربط بين قصائدك وزئيرك الذي لا ينتهي كلما رأيت امرأة جميلة تمشي وجدها. قال وقد زاد استغرابه: حسناً.. ولكن ما دخل قصائدي بما ذكرت؟
قلت: هل سمعت بالأخوين كيريل وميتودي..؟قال: لا .. لم أسمع بهما من قبل. أما وقد جئت على ذكر رابطة الشقيقين المبدعين، فأنا سمعت بالأخوين رحباني، والأخوين تافياني، والأخوين ماركس، والأخوين واتشوفسكي.. أما هذان (الكيريليان) فلم أسمع بهما؟!
قلت كي أزيد من مفاجأتي له: أين ترى ينفخ الحداد عندما يعمل على لين حديده؟ قال،وقد زاد من انتباهه: إنه ينفخ في الكور..!!
قلت: حسناً.. هل تجد رابطة بين الكور والنار؟ لم أبلغ مقصدي كله في حديثي إليه،فأضفت متخابثاً:
– اسمع يا أسد مترو غولدوين ماير.. الأخوان كيريل وميتودي هما راهبان مقدونيان، وهما من وضعا قواعد اللغة البلغارية.
قال: وما يعنيني هذا؟ قلت: كيريل وميتودي ذهبا إلى بغداد قبل ثلاثة عشر قرناً بطلب من الكنيسة البيزنطية لتعلّم اللغة العربية،وعاشا فيها سبع سنوات.
بدأ ينفذ صبر الصديق، فالقصة عادية ولا علاقة لها ب”زئيره”، وهي لا تستأهل كل هذا اللغو والإطالة والشطط، وجرَّب أن ينسحب تدريجياً من اسمه الجديد، فهو مثلي أيضاً لا يعرف ما الذي سيحل بنتاجه الشعري، وفكَّر حينها أن يعود إلى اسمه المستعار.. وهو حائر الآن، وأنا أصوره في الفيلم، لأنه يكتب بالاسمين معاً، أي أنه سيكون موجوداً معنا مرتين، ففي هذه الثنائية ما يذكر بازدواجية المعايير، والمصالح والشراكة الإبداعية:
– اطيها النار يا معوووووود..!!
مات صديقي، وأظن أنني كنت أتحسس قلبه بيدي منذ أن سقط صنم بغداد، وأنا الآن بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على رحيله “أضحك” في سري ضحكتين، فقد منح الأخوان كيريل وميتودي للعضو الذكري في اللغة البلغارية اسم (الكور)..!!
