على أطراف مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين، من جهة ضاحية دروشا، حيث من المفترض أن تكون الجدران ستراً حانياً على أهله والبيوت أماناً للمقيمين فيه -مؤقتاً- من اللاجئين والمهجرين إليه من مخيم اليرموك الذين قصدوه عبر سنوات المقتلة السورية، كُتب فصلٌ جديدٌ من فصول “المسرحية المتجددة”، ولكن هذه المرة بدمٍ حقيقي لا بتمثيل سينمائي. لم تكن الجريمة مجرد طعنة غادرة أو خنق لروح طاهرة، بل في تذخير تلك “المستنقعات الآسنة” التي تحاول اليوم غسل القاتل بماء الرذيلة والفضيلة معاً، وذبح الضحية البريئة مرتين، فهي ابنة شتاتين، وابنة منفيين، وابنة مخيمين بالرغم من عمرها القصير الذي اكتوى بنار الذبح والتشويه..
القطيع الرقمي.. والرقص على الجراح
بأي لغة سوف نتحدث من الآن فصاعداً عن “قطيع رقمي بهائمي” منتشر ومعمم على وسائط الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وإسطبلات مواقع التواصل الاجتماعي حتى يترك قدسية روح أزهقت لفتاة بريئة، ويتحدث عن “حذاء”، عن فردة حذاء تمّ التعرف إلى هويتها من خلالها؟ إنهم يقتلون هبة موعد مرتين، مرَّة بدم أزرق بارد، ومرَّة بهذا العمى الأخلاقي الذي يجعل من تفاصيل بائسة مخزية ستراً لعجزهم عن قول الحق. إن محاولة تمييع القضية وتشويه سمعة فتاة أفنت عمرها بين الكتب والجامعة وإعالة عائلتها المستضعفة هي “عملية تعرٍ” أخلاقية تصيب المجتمع الذي ترعرعت فيه في مقتل، تماماً كما وصف المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد في بعض أعماله كيف أن العدو ينتهك خصوصيات الضعفاء بأقل قدر من الخسائر..
إن هبة موعد ليست مجرد فردة حذاء في خرابة دروشا على أطراف مخيم فلسطيني للفقراء
انتهاك الأدلة الرقمية
حين يتحوّل المخفر من حامٍ للأعراض إلى مجرد كازينو ل”عصابة عشائرية” تحمي مدير بنك مهووس مطارد للفتاة ومتحرش مكين، فنحن أمام كارثة أخلاقية وإنسانية تفوق الجريمة ذاتها. كأن يمنع الأب المكلوم الضعيف من رؤية فلذة كبده، وهي ممددة على سقالة الموت، ويُعطى الضوء الأخضر للمتهم الرئيسي ليكون “المتعرّف الأول” على جثمانها، فهي سابقة لا تحدث إلا في المنظومات “القيمية” الأكثر تعفناً وتهيّجاً وشبقاً جنائزياً. هاتفها الذي كان يضج برسائل التهديد يُمسح، والأدلة الرقمية تُنتهك، في محاولة يائسة لرسم “رؤية مضللة” تخفي وجه المجرم الحقيقي البشع..
الأب المذبوح بعكازتين
أي قهر هذا الذي يُمارس بحق والد هبة؟ رجل عاجز ضعيف وهشّْ لا يقوى على السير إلا بعكازين، يُسحل ويُعذب لإجباره على اعتراف يبرئ القاتل الحقيقي. إنه “عسف التجنّي” في أبشع صوره، حيث يُراد للأب أن يحمل وزر دم ابنته فوق عكازيه المكسورين باللغة التي تتنازع قاتلها، وبإدامة العسف البشري، بينما القاتل، أياً كان اسمه، يتبختر بحماية العشيرة والفساد، والذباب الإلكتروني المتوج كالملوك المهزومين وقت الفضيحة.
إن هبة موعد ليست مجرد فردة حذاء في خرابة دروشا على أطراف مخيم فلسطيني للفقراء. إنها تلك الصورة التي لا يمكن إلا أن تكون مصممة لتكون مثيرة للجدل في كل زمان ومكان، ولن يكون حذاؤها إلا وصمة عار على جبين كل من صمت، أو لفَّق، أو تفنَّن في تنميق فصول الغدر.
