عمر أميرالاي: العدسة الجارحة 2022
الدجاج: ألم الصوت البشري
في قرية صدد السورية (100 كلم شمال شرق دمشق) الواقعة بين جبلي مهين وقارة تدور واقعة الدجاج “المميتة”. ثمة ثناء تهكمي فجائعي على مصائر أهلها في هذا الفيلم الوثائقي، وهم عافوا جميعاً صناعة البسط والعباءات والتفتوا بقلب وعقل واحد إلى تربية الدواجن. ثمة حلقة مفقودة هنا في المسألة الزراعية وبقايا ردَّة الاقطاع، ونهج النظام الاستشرائي الاشتراكي “الحصين” في إعادة ترسيم الريف بما يتناسب مع خطط دفع الأرياف للإنضواء قسرياً في صفوف الجيش، وضمان الولاء المطلق له.
حكاية صدد لا تختلف كثيراً عن حكايات ساحل ووسط وشمال شرق سورية. إنها فتنة تخليص ما يمكن تخليصه من مهن يمكن أن تضمن لأصحابها استقلالية اقتصادية ما، وتكفل في نفس الوقت حرية الحركة والمناورة بعيداً عن “مكرمات” النظام، وإن صارت عطيات “محددة” في ظل التصحيح الذي انتهجه البعث منذ “ثورة الثامن من آذار المجيدة”.
ما الذي يحدث في فيلم (الدجاج) 1977؟!
ثمة خيوط غير مرئية بين شخصيات الفيلم ويتم التنازع عليها، وان كان يجمعها خيط درامي واحد، يمتاز بذلك الحس التهكمي المفزع الذي اختطه عمر أميرالاي في هذا الفيلم تحديداً. يمكن ملاحظة ذلك من خلال قوة بصيرته نفسها، فهو لا يضيع كادراً واحداً في “الفراغ”. ولا يتقاسم “أنوية” الكتابة المسلية مع أحد. إنه يعيد تشكيل حكايته كلها بعناصر فيلمية متناسقة: تكوين كادرات ترفع من قدر الأسود والأبيض. قيام الشخصيات بلعب أدوارها المقدَّرة لها أمام عدسته. فلاح يمسك بكاميرا فوتوغرافية ويصوّر أمه، وهي تهز برأسها. هل كان يصور زمناً فالتاً من بين أصابعه، ويحرص على ابتسامتها الخجولة من أن تضيع في هبَّة رياح قادمة، كما لو أن الحداثة السورية الموعودة مجرد ذرَّات تراب قاس يحيط بقريته صدد من جميع الجهات؟ إنها القرية التي وضعها الله بين جبلين قاسيين، ودفع باسمها إلى أعلى السماء. كل قرية تقع بين جبلين يصبح اسمها صدد كما يقول الساعاتي الأخير في هذه المدينة المحمومة التي تصنع تاريخاً مخالفاً لقوانين الطبيعة. لا يأتيها المطر إلا كل سبع سنوات مرة واحدة. لا يُعوَّل على الزراعة فيها، حتى وإن كان هناك بقايا إقطاع، وعلاقات إنتاج متخلفة. الحرفة تكمن في تقليب الذرائع نفسها، حتى يتمكن ساكنوها من مواصلة العيش. يقول فلاح إن ثمة ثورة مصغَّرة قام بها أقرانه سنة 1939 ضد الإقطاعي عبد الوهاب الأخرس. ربما قسوة الطبيعة لم تسمح بإعلاء شأن هذه الثورة الفلاحية العفوية، ولكنها خطّت أثراً صغيراً في الرمال سوف يقرر شيئاً من مصير صدد وأهلها في أوقات متباينة أخرى.
اكتشف الناس حين استيقظوا فجأة من سبات اللعنات والطبيعة “المتزمتة” إن الدجاج وسيلة أخرى لفهم هذا العالم المحيط بهم. نقنقة الدجاج تحل محل اللغة الآدمية. ربما يُسهّل ذلك من التفاهم بلغة لم تعد مأمونة بين البشر أنفسهم. اللغة الآدمية تخلق مساحات لعداوات غير مفهومة بين البشر أنفسهم.
كيف يمكن للحداثة الوطنية أن تصغر من شأن صانعيها، والمروجين لها؟!
يقول مطانيوس عساف، وهو مربٍ صغير إنه يربي الدجاج، لأنه رأى بأم عينه أن كل الناس في قريته تقوم بتربيته، وهم سعداء، ولا يبدو أنه ينقصهم شيئاً. هل يكفي الاستئناس بقناعته المريبة ليطلق كل من حوله بوق الفرادة الآدمية التي لا تفتقد إلى حنكتها إلا حين يُغيّر هؤلاء البشر من سعادتهم المنقوصة، ويكتفون بالنقيق الذي يرافق مظاهرات التحديث والتصحيح، وكأن كل الخطط التي يجري الحديث عنها في الإعلام الرسمي ليست إلا لغواً، لا يفترق كثيراً عن النقيق نفسه، وفي أحسن الأحوال عن القرقرة التي تميز الدجاجة البيّاضة عن سواها من هذه الطيور الداجنة. لقد اشترى المربي جهاز تلفزيون حتى يبدد مخاوف صيصانه منذ اللحظات الأولى لفقس البيوض، والخروج منها إلى حرية المداجن التي نبتت كالفطر في فضاء صدد.
أن تعتاد هذه الفراخ على ضوضاء التربية السعيدة الموعودة.
لاشك أن عمر أميرالاي يمتلك بصيرة نفَّاذة حين ترك لهذا المربي فضاء ضيقاً يمكنه من خلاله المزاوجة بين المربي الإ علامي، ومربي الدواجن السعيد. يبدو أنها مهنة واحدة في بلاد الحداثة الرملية الزاحفة نحو ممكنات العيش المستحيلة.
نصف ساعة عند جهاز التلفزيون، ونصف ساعة عند الدجاج، حتى لا يغفل المربي الحذق عن دجاجاته. يلي هذا القول صياح وتصفيق بعثي المنشأ، والكاميرا على الدجاج تتابع فوضاه، فيما يتردد اسم سوريا عدة مرات في فضاء المدجنة.
ليس تقليلاً من شأن سوريا إطلاقا. ما يفعله عمر أميرالاي هنا هو رصد تلك الحالات التي قادت الجميع إلى هذا الخراب المدمر في النسيج الاجتماعي السوري. لا يمكن القفز عن عبوات التصحيح و”الترقيع” دون الجهر بمسببات كل هذا الخواء النفسي والسياسي والاجتماعي الذي مرًّ على هذه البلاد منذ أن أطلقت في الأجواء سحائب الإصلاح الزراعي – الثورة التي لم تخلف سوى تصحير مالم يتم تصحيره من قبل.
ليس بوسع الدجاج أن يجفل ويخاف من الضوضاء المحيطة به إن اعتاد على صوت الراديو القوي. تماماً هذا مافعله النظام مع الناس. رفع من قوة خطابه، وصوته، وصنع أناساً جاهزين للانصياع والخضوع مثل الدجاج. لم يكن أحد بحاجة لوصفة من أي نوع حتى يدرك ذلك، ولو من باب التذكر، بأن بيننا من يريد أن ينشغل بهذا كله. فوقية السلطة التي لا ترحم هي كل ما بقي هنا بين تكَّات الساعة التي ينشغل بها الساعاتي الأخير بين ساعاته المنهكة، وكل الوجوه التي تركن حيطان صدد الطينية، وهي تكتشف للمرة الأولى أن الحديث إلى الدواجن ربما يكون أسهل بكثير من التعرف إلى الأصوات البشرية التي تضيع في الزحام.
يقول مربي الدواجن الكبير عبد المسيح درّوج:” نحن نتمنى أن تكون الدولة شريكاً لنا في التربية، لأن الشريك يشعر دائماً بآمال وآلام شريكه”. لكن الدولة لم توفر جهداً في تربية الناس، وفرزهم بحسب أفكارهم، وتطلعاتهم، وآمالهم وآلامهم. هذا هو شغل السلطة الشاغل، ولا يمكن تفويت أي فرصة لمعرفة ذلك، أو للإحساس به.
كل مافي هذا الفيلم تهكمي صارخ: هنا المربي المتوسط الذي يؤكد إن كل أربع بيضات تعادل كمية بروتين في أوقية لحم، ولهذا يجب أن يرتفع سعر البيض، وعلى الدولة أن تحمي هذه “الصناعة” الطارئة بالتخفيف من استيراد البيض المنافس، وتخفيض أسعار العلف، والدواء، وإلا فإن أصحاب المداجن الصغيرة والمتوسطة لن يكملوا حتى نهاية العام، ولن يبقى سوى الحيتان الكبار بحسب النظام البرجوازي كما يقول المربي الصغير عبود الحي.
لكن الدولة التي أغفلت عينها عن حياة هؤلاء الناس لا يبدو أنها تكترث فعلياً لمصائرهم، أو مصائر مداجنهم، وهم قد ضوَّعوا مهنة حياكة البسط والعباءات التقليدية، ولم يعد بوسعهم العودة إليها، فلم يكسبوا الدجاج، وخسروا مهنة الآباء والأجداد.
الدولة لا تتشارك مع أحد: “لو كان التعاون بينفع، لكان تشارك كل اثنين على مره”. يقول رئيس الجمعية التعاونية عبده الخوري. لكن أليس هذا هو المنطق المعادي لفكر التحديث الاشتراكي الذي تنادي به جمعيته؟.
إنه يختصر اللغو ببضع كلمات، وليس أمام عمر أميرالاي إلا اقتطاع مساحة بصرية لهذا الشظف اللغوي، وهو يدور بعدسته اليقظة بين بيوتات صدد الطينية، وحاراتها، وبقايا حقولها المختنقة.
ما الذي يعنيه بعد كل هذا أن يتم الكشف عن نمو مزيف لقوى الإنتاج في قطاع تربية الدواجن، وتردي العلاقات التي رسمت وحددت سلفاً شكل هذا الإنتاج الربوي، وكل المؤشرات تفترض سلفاً أن نوع هذا التردي الوظيفي لهذه القوى وصل إلى ذروته، وأن مصائر هؤلاء المربين على اختلاف مراتبهم قد أضحت في خبر كان، كما تفترض أيضاً آلية النهب التي يحددها تجار المدن الكبرى مثل دمشق وحلب.
فيلم (الدجاج) يتعدى أن يكون وثيقة عن قرية ضيَّعت حرفة الأجداد، من أجل حلم زيفته الدولة، ورممته، وأعطته لها، وهي تدرك أن التردي المهني والوظيفي أداة للحكم والتسلط والنهب، وهذا ما لاحظه عمر أميرالاي في فيلمه بدهاء شديد.
في النهاية لابد من وضع العدسة المستنيرة على تجمع مربي الدواجن في مدجنة فارغة، لتعلو نقنقة الدجاج على أصواتهم البشرية. بالفعل لا صوت من الآن يعلو على هذه النقنقة المستريحة في الظل، تتقي الهجير البشري في الخارج.
نظرية عزيز درّوج
صاحب أول مدجنة في صدد
يكاد مربي الدواجن عزيز درّوج أن يصبح صاحب أول نظرية عن تربية الدجاج في صدد: “انفجار الدجاج سببه البيضة بصفارين. لما بتخرج البيضة لأول مرة من الدجاجة بيكون حجمها كبير، وفتحة شرج الدجاجة ضيقة، فبيحصل الانفجار. ولما بتندمي الدجاجة بيلحقها بقية الدجاج، وبيبدا ينقد فيها، وياكل من لحمها حتى تموت”.
قبل أكثر من ثلاثة عقود لم يكن ممكناً في ظروف مربي الدواجن “المزاجيين” الحديث عن أسباب موت الدجاج، وقلّة الحيلة في علاج الأمراض الكثيرة التي قد تصيبه، ومع قلة الغذاء والمضادات الحيوية اللازمة، يصبح فضاء صدد خاضعاً للمزيد من الإفقار المتعمد، والأقاويل، والموت المعلن للطيور مع غياب العلف الحكومي المتوازن، والحنكة البيطرية، وسبل المعرفة الدقيقة بطرق التربية، وتسويق المنتج، وضمان عدم وجود منافسين متحالفين مع مافيات محلية، وعدم الخضوع للتهكم اللفظي، الذي يمارسه بعض الموظفين الحكوميين البيروقراطيين، على أصحاب المداجن، وهم في حومتهم لا يملكون أي استثناءات في التربية تعينهم على مغادرة هذا المضيق، أو البقاء فيه نصرة لمهنهم الجديدة!
