أنَ يصبحُ الوطن مفردةً مطابقةً للعجز، تعلم أن كلّ ما جرى كان من أجل هدر دمك، ولك وحدك أن تتخيّل ما شئت من كوابيس تتربّص بما تبقى لك من حياة، كوابيس تقف على طابور انتظارٍ لا ينتهي، فكلّ ما حولك يفتك بروحك دون أن يقتلك، وهذه هي الدوّامة الأبديّة للخوف الذي لن تسعفك أي فلسفةٍ لتجاوزه، مثلاً، وفي هذه اللحظة تحديداً، أشعر أن كل ما كتبه الوجوديون لا يستطيع تبديد خوفي في أن أسألَ تلك المرأة بجانبي -والتي تقف مع كلبتها عند موقف الباص- عن رقم الحافلة التي تنطلق نحو مدينة “باسماني”، تلك المدينة الساحلية التي يتجّمع فيها المطرودون من جحيم أوطانهم مُسلّمين أنفسهم لسماسرة التهريب كي يرموا بهم في ظلمات بحر “ايجة” أملاً في الوصول إلى جزيرةٍ يونانية، والحق أنني لا أرى فرقاً بين رغبتنا في الهروب أو الانتحار، فالجميع يدرك أنه يقامر بحياته حينما يقطع البحر على ظهر ذلك الزورق المطاطي الهشّ الذي يحملنا وأحلامنا وذكرياتنا في عباب بحرٍ جائع، لكنه، أقصدُ انتحارنا، يبقى انتحاراً جماعياً يخفف من وطأة أن تموت وحيداً، وليس هذا مطابق تماماً لما قاله الشاعر عبد الرحيم محمود: “فإمّا حياةٌ تسرّ الصديق وإمّا مماتٌ يُغيظ العدا”، إذ أن موتنا لا يغيظ أحداً سوانا، وكذلك حياتنا!
أصرّت عليَّ صديقتي “غولاي” أن أزورها في اسطنبول قبل فراري إلى ولاية “أزمير” لكّن المبلغ الذي أملكه بالكاد يكفي لنقلي إلى الجزر اليونانية، لذلك آثرت السفر مباشرةً إلى أزمير، ومع أن هذه الولاية أشدّ خطورة على الهاربين، من حيث رداءة قواربها وسمعتها السيّئة بأعداد غرقى اللاجئين المنطلقين منها، كذلك بالقبضة الأمنيّة التي تحكم سواحلها مقارنةً بغيرها من ولايات التهريب الأخرى، إلا أنه بالإمكان لي أن أجد رحلةً من شواطئها بسعر يتناسب مع المبلغ الحقير الذي أذلّني به ابن عمي قبل أن يرسله، ثم ما معنى أشدُّ خطورة؟! الحياة بأكملها خطرٌ كبير.
“غولاي” تعلم تماماً أن ذلك لم يكن سبباً كافياً لعدم تلبيتي رغبتها في القدوم إلى اسطنبول، إذ إنّها عرضت عليَّ بعض المساعدة الماليّة من بابِ سدّ الذرائع، لكنني بدوت مفضوحاً أمامها أكثر مما تصورت، وهذا ما ظهر جليّاً لي حين أخبرتني بنبرةٍ مرحة وواثقة في رسالة على الواتس أب:
“لست تخاف من مقابلتي أليس كذلك؟ تيسير إنك لا تجيب على اتصالي، تذكّر أنني آخر من تخشى مقابلته، ما بك يا رجل؟! تعال فأنا أفهم ما الذي يؤلمك”.
ربّما دفعتني رسالتها تلك إلى اتخاذ قرار السفر مباشرةً نحو ولاية أزمير، فقد كان من الصعب علي لقاء “غولاي” وخوفي مكشوف أمامها إلى هذا الحد، لو أنها التزمت الصمت حيال ما تشعر به أنه يعتريني لكنت قدمت لرؤيتها، لكّنها أفشت ما يشبه السرّ الذي أحاول تجاهله، إذ مهما أراد أحدهم أن يلعب دور البطل المُخلِّص ليذلّل لك الخوف الذي يقبض على مفاصل حياتك ثم يوحي لك بطبيعيته، فأنت وحدك فقط من يدرك أن الآخر يبحث عن شعوره بالنجاة أمام هزيمتك، والثبات أمام ضياعك، الجميع يريد أن يشعر بالتعافي أمام ما يعتريك من انهيار وخاصّة إن كان هذا المُخلِّص قادماً من ذات الجحيم الذي أتيت أنت منه، حتى الأحمق يستطيع أن يرى بوضوح أنه لم يتسنّ لنا النجاة فرادى كي يتأتى لأحدنا أن يأخذ بيد الآخر، قد أبدو سوداوياً لوهلة، ولكن ..! هو ذاته العجز الذي أدركَته “سعاد” حين اتخذت قراراً بالانفصال عني، ومع أنه لم تمضِ أربعة أيام على موافقة القاضي لتطليقها منّي، إلا أنني الآن، أرى قرارها أكثر إنسانيةً تّجاه نفسها أوّلاً وتّجاهي أيضاً، كما أنني متعبٌ وجائعٌ ولا يريد ذلك الدوار أن يدعني وشأني، ثم أنه لا إرادة لي على التفكير باتخاذ أي مبادرة لاستعادة نفسي التائهة مهما بدت تلك المبادرة بسيطة بالنسبة للآخرين، لذلك وجدتني أمام محطة باصات النقل الداخليّ في ولاية “غازي عنتاب” راكباً الحافلة المتجهة نحو “أزمير” دون أن تحدوني الرغبة في أن أزن أي أمر سخيف على شاكلةِ التأني قليلاً قبل السفر، أو الاستفسار حول عمليات التهريب الأكثر أمناً، أو التفكير بخطةِ ما بعد الوصول إلى اليونان التي تكتّظ بمئات الآلاف من اللاجئين العالقين بها منذ سنوات، بالضبط كنت مثل عجوزٍ يستسلم لفكرة العدم، إذ أعلم تماماً أنني أسير بلا هدفٍ واضح، أو دعني أقل, أنني أسيرُ نحو هدف أكبر بكثير من المبلغ الذي في جيبي وأكاد أجزم:
– أجزم؟! حقّاً؟!
وهل يسعني أن أجزم أمراً في أي شيء، أي شيء؟
هاأنذا أضحك من نفسي الخائبة، فليس هنالك من هو جدير بأن أضحك عليه، لقد أمضيت حتى اللحظة قرابة الساعتينِ وأنا جالس في موقف الباص المحاذي لمركز الكراجات الرئيسيّة لولاية أزمير، وليس لديّ الجرأة أن أخطو خطوةً واحدة خارج هذا المكان، لكأن المدينة بشوارعها الواسعة ستبتلعني، هيئتي تثير الريبة حولي مما جعل الركاب المنتظرين أمام المحطة يقفون على بُعد مسافةٍ مني كمن يتجنّب رائحةً نتنة، أو أن هذا ما هجسَت به نفسي على الأقل.
أخيراً.. وتلافياً لأي ارتباكٍ قد يسببه اللفظ الخاطئ لاسم مدينة “باسماني”، اتخذت قراراً حاسماً، في أنه يجب أن أتخذ قراراً حاسماً! فتحت موقع الخرائط على هاتفي محاولاً التأكد من لفظ اسم المدينة:
ـ “باسماني”، “باسماني”، باسماني”
ردّدت الاسم بيني وبين نفسي بوجَل، ثم اقتربت من المرأة التي تقف مع كلبتها البودل المدلّلة، بدا على هيئة المرأة أنها تستقبل عقدها الخامس، عدا أنها تحتفظ برشاقةٍ وأناقة جاذبة، بقيت على مسافةٍ قصيرة منها وقد وجّهت نظري اتجاهها بقلقٍ بالغ، حاولت دفع الهواء إلى حنجرتي كي أستفسر منها عن رقم الباص الذي يمكنني خلاله الوصول إلى مدينة “باسماني”، وما إن خرج صوتي حتى شرعت كلبتها البودل اللطيفة تنبح بعدوانيّة كأنها تحولت لـ”دوبر مان”..
!ـ لا بدّ أنني أثرت اشمئزاز الكلبة أيضاً
وبما أن الناس هنا يثقون بحدس كلابهم أكثر من إحساسهم برجل مهزوم مثلي، فقد كسا وجه المرأة ذعرٌ وتكشيرة متأهّبة وهي تحاول الابتعاد عني لاجمةً كلبتها التي لم تتوقف عن النباح كما لو أنها ترى شبحاً أمامها، ولأنني أردت تلافي أي سوءٍ للفهم رحت أرفع عقيرتي وأنا متجمّدٌ في مكاني، وعلى لساني تدور كلمتان فقط:
ـ باسماني باسماني، باص باص
لم يخلُ صوتي من حشرجةٍ قاسية، وقد بدا واضحاً للمرأة أنني لست “تركيّاً” فأشارت بيدها بحركة لا مبالية كمن يطرد شحّاذاً حزيناً مسكيناً، لم أتصور يوماً أنني سأكون بحاجة لكل هذا القدر من الشجاعة كي أسأل سؤالاً تافهاً عن الباص الذي يجب أن أركبه لكي أصل إلى تلك المدينة اللعينة، والمسألة بالنسبة لي لم تعد تتعلّق بهذه اللحظة تحديداً، بل بما يتجاوزها لكلّ ما هو آتٍ من مجهولٍ لا أملك أيّة شجاعةٍ على مواجهته.
الآن فقط.. أدركت أنني لست متهيّئاً بما يكفي لخوض تجربة الهرب عبر البحر، حتى إنني تمنيت لو أنني مازلت قابعاً داخل السجن، أو أن قبراً ما في مكانٍ مجهول يحتويني كما احتوى أصدقائي، لكم أشتاق إليهم وهم موتى بل إنني أحسدهم على موتهم الذي يرأف بهم الآن وهم في هدأتهم وحيدون، إذ أنّ للموت حكمة بالغة في الرأفة لا يدركها إلا الأحياء الخائفون من أنفسهم، مثلي.
وصل أحد باصات “الإكسبريس” الكبيرة إلى المحطة، المرأة مع كلبتها المرهفة صعدتا إليه، لذلك لم تتملكني الجرأة كي أسأل السائق إن كان يصل إلى مدينة “باسماني” فقد خشيت أن أصيب المرأة بالذعر، أو تعتقدَ بأنني ألاحقها، وشخص متوجّسٌ ويثير التوجّس مثلي، لا يرغب في أن يظهر مريباً لأحد، لذلك اكتفيت بالجلوس على كرسي المحطةِ متكوّماً داخل معطفي شادّاً على جسدي بتوترٍ رهيب، لكّن المرأة التي يبدو أنها أجرت مع نفسها حساباً سريعاً بالندم بسبب اشمئزازها مني، راحت تصرخ نحوي بكلماتٍ تركية لم أفهمها للوهلة الأولى للحدّ الذي ظننتها توبيخاً مقصوداً أمام الركاب لقلّةِ أدبي وتحرشي الذي تهيأ لها أنني مارسته بحقها، وللحظةٍ فكرت بالهرب! عدا أن نطق المرأة لاسم مدينة “باسماني” وهي تشير إلى الباص الذي تركبه، جعلني أدرك أنها تطلب مني ركوب هذا الباص الذي لا بدّ أنه يوصلني إلى وجهتي، وبما أنني لم أدرك مقصدها إلا متأخراً فقد انطلقت الحافلة ولمّا أزل أحاول فكّ شيفرة كلامها ببلاهة استوطنت ملامحي.
رمقتني المرأة من نافذة الباص بنظرةِ أسف وابتسامة ساخرة لكوني بدوت أبلهاً أمامها، ومع ذلك فقد استطعت أن أقرأ رقم الباص الذي يُوصل إلى مدينة “باسماني”، وهذا بالنسبة لي، حبل نجاةٍ سيعفيني من مغبّةِ هذا الرعبِ المتكثّفِ على هيئة سؤال عاديّ:
– “كيف أصل إلى باسماني؟”
