منذ يومين فقط، وفي زاوية ما من العاصمة النمساوية فيينا، صرخ المخرج البلغاري الكبير إيفان نيتشف بكلمته الأخيرة: “قطع!” (Cut). لم تكن هذه مجرد نهاية لتصوير فيلمه الجديد “جنة المهاجرين” (Migrants’ Paradise)، بل كانت إعلان ميلاد لقصة جديدة تبحث عن “الفردوس” وسط رماد المنفى الطويل..
موسيقى الأجساد لا رتابة الحوار
لا يبحث نيتشف في فيلمه الأخير عن حكايات عادية، بل يمارس ما يسميه بـ “الواقعية التنويمية” (Hypnotic Realism). في موقع التصوير، لا يكتفي نيتشف بتوجيه الممثلين، بل يطلق الموسيقى في الخلفية ليخلق “إيقاعاً داخلياً” لحركاتهم، مؤمناً بأن السينما هي “لحن مرئي” وليست مجرد ثرثرة عقلانية. بالنسبة له، عملية الإخراج السينمائي هي “شق العتمة بضوء غير متوقع”.
الفخ الذي سقط فيه المهاجرون
مستلهماً من نص الكاتب “ديميتار دينيف” المقيم في فيينا، يغوص نيتشف في عوالم المهاجرين الذين تركوا أوطانهم بحثاً عن “الجنّة الموعودة”، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مصائر متشابكة. الفيلم هو تشريح لهذا “النزيف الروحي”، حيث يكتشف الأبطال أن الفردوس الموعود قد يكون مجرد متاهة لغوية أو عاطفية أو نفسية لاشفاء منها، تشبه تلك المتاهات التي يسكنها أبطال الأساطير الإغريقية العظام!.
المخرج الذي لا يعرف الهزيمة
رغم بلوغه الخامسة والثمانين، ما يزال المخرج ايفان نيتشف يمتلك روح “المقاتل” التي ظهرت في أفلامه السابقة مثل “إيفان وألكساندرا”. هو المخرج الذي واجه المنع والرقابة السياسية بـ “الأبواب الخلفية”، مؤمناً بأن الفنان الحقيقي هو من يرفض الطاعة، تماماً كما تفعل الكلمات في نصوص الكتّاب الكبار.
خاتمة:
في “جنّة المهاجرين”، يعيد نيتشف تذكيرنا بأن السينما هي “تمرين على العمى النبيل”، ذاك الذي يجعلنا نرى الجمال في انكسارات المهاجرين، واليقظة في أوجاعهم. الفيلم ليس مجرد توثيق لحالة لجوء، بل هو “بروفايل” لروحٍ إنسانية تحاول النجاة من “فن التوحش” الذي يجتاح عالمنا اليوم.
