يقول الكاتب الروسي الساخر ميخائيل زادورنوف (1948–2017) إن الديمقراطية الحديثة كثيراً ما تبدو وكأنها عرضٌ مسرحي ضخم يشارك فيه ملايين الناس، لكن النتيجة النهائية تشبه إلى حد كبير مستشفى للأمراض العقلية يختار فيه المرضى مدير المستشفى.
في رأيه، لا تكمن المشكلة في مبدأ الديمقراطية نفسه، بل في كيفية ممارستها في العالم المعاصر. فبدلاً من أن تكون وسيلة لاختيار الأفضل والأكثر كفاءة، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى منافسة في الشعبوية والخداع الإعلامي.
لا للأفكار.. نعم للدعاية
يرى زادورنوف أن الحملات الانتخابية الحديثة لا تعتمد على الأفكار بقدر ما تعتمد على التأثير النفسي والدعاية. فالمواطن العادي يتعرَّض يومياً لسيل من الشعارات والصور والوعود التي تُصاغ بعناية داخل غرف الدعاية السياسية، إلى درجة أن الناخب لا يختار غالباً بناءً على برنامج حقيقي، بل بناءً على انطباع عاطفي سريع.
وبذلك تتحوَّل السياسة إلى عرض إعلامي، حيث يتنافس المرشحون على من يستطيع جذب الانتباه أكثر، لا على من يمتلك رؤية أفضل للمجتمع.
ويضيف الكاتب أن الديمقراطية في شكلها الحالي تسمح أحياناً بظهور ظاهرة خطيرة: الأكثر مهارة في التلاعب بالجمهور هم الذين يصلون إلى السلطة، وليس بالضرورة الأكثر حكمة أو معرفة.
كبير الأطباء ولكن..
ولهذا يصف زادورنوف الديمقراطية الساخرة بأنها «عرض يختار فيه المجانين كبير الأطباء»، في إشارة إلى أن الجماهير الغاضبة أو الخائفة قد تختار أحياناً من يعكس انفعالاتها بدلاً من أن يعالج مشاكلها.
لكن نقده لا يتوقف عند الديمقراطية فقط، بل يمتد أيضاً إلى الرأسمالية المعاصرة. فهو يرى أن النظام الرأسمالي، رغم قدرته على إنتاج الثروة، أصبح في شكله المتطرف نظاماً يقوم على تقديس المال فوق كل شيء.
في هذا النظام، كما يقول، لا يُقاس نجاح الإنسان بقدرته على الإبداع أو خدمته للمجتمع، بل بكمية المال التي يمتلكها. وهكذا تتحوّل القيم الإنسانية إلى أرقام في حسابات البنوك.
ويعتقد زادورنوف أن الرأسمالية الحديثة تشجّع على الاستهلاك المفرط، حيث يتم إقناع الناس باستمرار بأن سعادتهم مرتبطة بشراء المزيد من السلع. الإعلانات، وسائل الإعلام، وحتى الثقافة الشعبية تعمل معاً لإقناع الإنسان بأنه يحتاج دائماً إلى شيء جديد، حتى لو لم يكن بحاجة إليه. والنتيجة، في نظره، مجتمعٌ يعيش في سباق دائم مع الرغبات المصطنعة.
الشركات الكبرى..
كما يشير زادورنوف إلى مفارقة لافتة: في حين يُفترض أن الديمقراطية تمنح السلطة للشعب، فإن القوة الحقيقية في كثير من الأحيان تكون في يد الشركات الكبرى، والمؤسسات المالية التي تمتلك القدرة على التأثير في الإعلام والسياسة والاقتصاد في الوقت نفسه. وهكذا يصبح المواطن العادي مشاركاً في العملية السياسية، لكنه لا يمتلك دائماً القدرة الحقيقية على تغيير قواعد اللعبة.
ويرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود هذه الأنظمة، بل في اعتياد الناس عليها. فعندما يتوقف المجتمع عن طرح الأسئلة أو عن التفكير النقدي، تتحوّل الأخطاء السياسية والاقتصادية إلى واقع طبيعي.
ولهذا يؤكد زادورنوف أن الوعي النقدي هو الشرط الأساسي لأي مجتمع حر. فالديمقراطية لا تعمل فعلاً إلا عندما يكون المواطن قادراً على التفكير بنفسه، لا عندما يكتفي بترديد ما يسمعه في التلفزيون أو وسائل الإعلام.
وفي نهاية تأمله الساخر، يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: هل المشكلة في الأنظمة السياسية نفسها، أم في الطريقة التي يتعامل بها البشر معها؟
ربما لا توجد إجابة سهلة. لكن المؤكد أن أي نظام سياسي، مهما بدا مثالياً على الورق، يمكن أن يتحوَّل إلى مسرحية فارغة إذا فقد المجتمع قدرته على التفكير والنقد.
