ليست صوفيا مدينةً فحسب، بل حضورٌ خفيٌّ يقيم في الذاكرة. الشوارع هنا لا تقودك فقط إلى الأمكنة، بل تفتح طرقاً داخلية في أعماقك. في كل زاوية صوتٌ قديم، وفي كل مقهى جملةٌ لم تُكمل، وفي الوجوه العابرة حكاياتٌ صامتة.
حين أمشي، تتكاثف الذكريات مثل ضباب خفيف من جبل فيتوشا، يغمر الحجر والزوايا، ويبطئ الزمن قليلاً. وفي ذلك الضباب، أحياناً يخيّل إليّ أن ظلالاً قديمة تعبر الشارع قبلي:
جنديّ روماني ضلَّ طريقه منذ ألفي عام،
أو راهب بيزنطي يحمل مخطوطة نحو ديرٍ لم يعد موجوداً.

طبقات الزمن من سيرديكا إلى العصر الحديث
في تلك اللحظات، تبدو المدينة كأنها تستعيد اسمها القديم: سيرديكا، المدينة التي عرفها الرومان، وكتبوا اسمها في خرائطهم الحجرية. يقال إن الإمبراطور قسطنطين الأكبر وقف هنا يوماً، وقال عبارته التي ما زالت تتردد في الذاكرة:
“سيرديكا هي روماي”
ربما لم تتحقق الفكرة، وربما مضى الإمبراطور إلى مدينته الجديدة على البوسفور، لكن العبارة بقيت ظلاًّ خفيفاً في ذاكرة المكان، مثل الطرق القديمة التي لا تزال تتقاطع هنا، تعبرها القوافل كما تعبرها الأفكار بين الحضارات.
أمشي أحياناً فوق الأرصفة الحديثة، وأفكّر أن تحت قدميَّ طريقاً رومانياً قديماً، وأن حجارةً صامتة تتذكَّر وقع أقدام من مرّوا هنا منذ قرون. وتحت تلك الحجارة، ارتفعت الكنائس البيزنطية، وترك العثمانيون مآذنهم وأسواقهم وروائح القهوة.
طريق الإذاعة.. واللغات
الصباح يقودني إلى جامعة القدّيس كليمنت أوخريدسكي، حيث تتجاور لغات بعيدة: العربية، الفارسية، الصينية. كنا ندرّسها كأنها نوافذ على قارات، والحروف تعرف الطريق إلى القلب قبل الخرائط. المدينة نفسها كانت نقطة عبور للّغات: اللاتينية، اليونانية، والتركية، والآن ما زالت تحتفظ بذلك التداخل الثقافي في أصواتها.
بعد الظهيرة، يأخذني الطريق إلى الإذاعة. بين الممرَّات الطويلة والاستوديوهات. يتحوّل الصوت إلى حياة أخرى، والموجات التي تنطلق من هناك تصل إلى مستمعين لا نعرفهم، لكنها تترك أثرها في الجدران الصامتة، كما يفعل البشر حين يعبرون الأماكن ويتركون فيها شيئاً من أصواتهم.
في شارع فيتوشكا، بين أضواء المساء ونسيم الجبل البعيد، يقف تمثال الكاتب آليكو كونستانتينوف، متكئاً على عمود إنارة، يحدّق بصمت في العابرين. لو استطاع الكلام، لروى حكايات المدينة كلها: الرومان وهم يبنون طرقهم، البيزنطيون وهم يرفعون كنائسهم، العثمانيون وهم يضيفون مآذنهم إلى الأفق.
في المقاهي، بين رنين الفناجين وهمس الزوّار وصوت الترام، تتكثّف لحظة صغيرة من الحياة اليومية، لكنها تحمل ذاكرة المدينة بأكملها. القهوة نفسها جاءت في زمن عثماني بعيد، كما تفعل اليوم.

قلب المدينة الثقافي
في المساء، يقودني الطريق إلى مسرح إيفان فازوف، بواجهته الكلاسيكية وحديقته الهادئة. يبدو المكان كقلب ثقافي للمدينة، بينما يقف جبل فيتوشا في الأفق حارساً صامتاً، كشيخٍ قديم رأى كل شيء.
مع مرور الأيام بدأت أفهم أن المدن ليست أماكن نقيم فيها فحسب. إنها كائنات برَّاقة تحتفظ بذاكرة خفية. كل شارع يحمل صدى ما، وكل مقهى يحتفظ بجملة لم تُقَل كاملة، وكل وجه عابر يضيف سطراً غير مرئي إلى كتاب المدينة. نحن نظن أننا نغادرها، لكن صوفيا تبقى فينا: كرائحة مقهى في الشتاء، كصوت ترام يعبر الليل، كضوء شارع في مساء بعيد.
بقيت صوفيا في داخلي: مدينة يدرّس نهارها، ويكتب ليلها ملاحظاته الصغيرة في هوامش الذاكرة. وفي الأفق ما زال جبل فيتوشا واقفاً، كأنه ينتظر أن أعود يوماً لأكمل جملة بدأتُها معه منذ سيرديكا القديمة، وما زالت تبحث عن نهايتها في صوفيا الحديثة.
