التقطت هذه الصورة سنة 1959 على سطح بيتنا في محلة بكلر- كركوك. كانت الشمس تتتسلّط على الأحجار، وتحيل قيظها إلى مسامرة مستحيلة، وكان الصيف قد قال كلمته حين اجتمعنا نحن الثلاثة في لحظة بقيت أطول من العمر نفسه، فقد توقف الزمن، ولم يغادرها البتّة. جلس أخي الصغير في الوسط. كان يبتسم كأنه ملك العالم، وأنا كنت أقف إلى يمينه، وأمدّ يدي نحوه كما لو أنني كنت أحاول في هذه اللحظة التي تجمَّدت بفعل المصور في غفلة عنَّا. بدا لي أنني أريد أن أثبت ضحكته قبل أن تهرب.
إلى يساره وقف أخي الأكبر بهدوءٍ مكتمل. رفع يده محيياً ببساطة متناهية. كانت تحيته بمثابة رسالة مودعة لطفولةٍ لن تدوم، وكنَّا نغادرها معاً بالرغم من أن تثبيت هذه اللحظة ضمن هذا الإطار كان يقول عكس ذلك. كانت تحيته تحمل شيئاً من الخجل، وشيئاً من الفخر، وكأنه يقول: “أنا هنا… وسأكبر قريباً”.
لم نكن نعرف أننا نودّع زمناً كاملاً في تلك اللحظة. كنا نظنّها صورة عادية، لكن الأيام أثبتت أنها ذاكرة حيّة، تختصر أصواتنا، خطواتنا، وبراءة قلوبنا.
وكلما نظرت إليها، شعرت أن تلك اليد المرفوعة ما زالت تلوّح.. ليس للكاميرا التي كانت تقف في مواجهتنا، بل للزمن نفسه الذي يمضي غير عابئٍ بنا..!!
