شهد “بيت الثقافة” في منطقة “برخون” بمدينة غوتنبرغ السويدية، أمسية استثنائية أحيتها الفنانة والمهندسة المعمارية اللبنانية ميساء جلاد، ضمن فعاليات مهرجان “كلاندستينو“. لم تكن مجرد حفلة موسيقية، بل كانت رحلة أنثروبولوجية في ذاكرة بيروت المثخنة بالجراح، حيث تجسَد صوت ميساء كجسر يربط بين عمارة المدينة المنهارة وبين أغنية المقاومة والبقاء.
عمارة الصوت: من الأطروحة إلى الأغنية
تنطلق ميساء جلاد في مشروعها الفني من خلفية أكاديمية لافتة، فهي باحثة في الهندسة المعمارية، وقد استلهمت عملها الموسيقي الأبرز “إي كسر” (Marjaa: The Red Book) من أطروحة الماستر التي قدمتها حول التطور العمراني لمدينة بيروت خلال الحرب الأهلية.
في أمسية غوتنبرغ، وبمرافقة فرقتها الموسيقية، أعادت ميساء إحياء “معركة الفنادق” (1975-1976)، تلك المواجهة التي غيَّرت وجه العاصمة اللبنانية. من خلال صوتها الذي يمزج بين الشجن الأوبرالي والحدّة التجريبية، لم تغنِّ ميساء “عن” المعركة، بل غنّت “المكان” نفسه: الفنادق كشواهد صامتة على تحوّلات الهوية اللبنانية.
صدى “معركة الفنادق” في برخون
بين أروقة بيت الثقافة، تردد صدى أغنيات مثل “فندق فينيسيا” و“هوليداي إن“، حيث توظّف جلاد الموسيقى كأداة لاستنطاق الحجر والخرسانة. الجمهور في غوتنبرغ، الذي ضمَّ طيفاً واسعاً من الجاليات العربية والمتذوقين السويديين، تفاعل مع قدرة ميساء على تحويل المأساة التاريخية إلى تجربة جمالية معاصرة.
الصورة التي التقطتها عدسة الكوميونيتا تجسد تلك اللحظة، ميساء تتوَسط المسرح بغيتارها، محاطة بإضاءة توحي بالعزلة والتركيز الشديد، وخلفها شعار المهرجان الذي يضيء كبوصلة في عتمة الذاكرة. تعكس الصورة الحالة “الميليشياوية” للصوت والآلة في مواجهة الصمت التاريخي.
الموسيقى كفعل سياسي واجتماعي
لا تنفصل موسيقى ميساء عن الواقع الراهن، فهي في لقاءاتها تؤكد أن “الموسيقى لن تقف عند العتبة“، بل يجب أن تقتحم الفضاء العام وتطرح تساؤلات حول من يملك المدينة ومن يصيغ تاريخها. هذا البعد السياسي كان حاضراً في غوتنبرغ، حيث تتقاطع مآسي بيروت مع مآسي المنطقة برمتها، ليعلن الصوت أن الفن هو السجل الحقيقي الذي لا يمكن تزويره.
الكوميونيتا والحدث
إن استضافة ميساء جلاد في السويد تأتي كجزء من حراك ثقافي يسعى لتقديم نماذج فنية عربية تتجاوز النمطية، وهو ما يحرص موقع “الكوميونيتا” على تغطيته وتوثيقه، تأكيداً على دور الفن في صياغة هوية “المنفى” وتحويله إلى مختبر للإبداع.
