إن كانت الشاعرة اللبنانية زينة عازار في مجموعتها السابقة (غيمة للتوازن) 2014 لا تبحث عن قارئ لا يخطط لشراكة محايدة في اللغة، فإنها تبحث هنا في مجموعتها الجديدة عن قارئ مراوغ في اللغة التي تقدمها له بعد طول استغراق وكأن همّْ اللغة هنا أن تقتصد في إعادة تعريف الذات والعالم عن طريق هذه المراوغة في نصوص ( أجمع نفسي وحسب ) الصادرة عن دار مخطوطات. ليست طقوسية زينة عازار اللغوية إلا تعبيراً عن ذلك التعريف للشعر لذاته في محاورات لصيقة بإعادة تعريف للغة من حيث تجددها وانبعاثها من داخل النص، مثل حريق صامت متجدد، وفي كل كتلة لهب منبعثة منه قراءة أو موقف من هذا العالم، وكأنها يجب أن تكتب شيئاً عنه حتى لا تبدو الحياة معطّلة.
تبدو الذات هنا للوهلة الأولى في مواجهة متجددة مع هذه النصوص. لا تبتعد عن تعميق جوانيتها بفرادة من خلال استعارات مكتملة، أو شارفت على الاكتمال في لحظات تدرك زينة عازار أنها لا تنهك النص حين يدور لذاته. العالم هنا أقل انطواء في تحديث مفرداته. الصورة التي لا تشبه أحداً حتى لو اكتملت. ” إن لم أجد صورة ملائمة في هذا اليوم، سوف أقطع غصنا من هنا وورقة من هناك” . هذا القطع يبدو ضرورياً من جهة استئناف تفاصيل الحياة والدلالات التي تنبعث منها حين تتحوّل الى هذه الاستعارات المكتملة، ولولا ذلك لقلنا إن زينة عازار تعي في مفرداتها كل هذا الشجن الأنسي الذي تمجد به الذات في مواجهة عالم مراوغ يمقت اللغة التي لا تنصاع له. أليست الشعرية هي انبعاث تلك النار من جسد النص حتى لو ظهرت باردة في منحنيات كثيرة لكنها تعي جيداً أنها تطال بدفئها ونورها كل وجه مكتسٍ ببرودة هذه المراوغة حين تنبعث من مخيلة لا يقيم فيها سوى لهيب الاستعارات التي تتدافع وتتزاحم في طريق النص الكامل:” لا تجد لغة لترميم هذا الليل/ عند الرابعة فجراً ينبت عشب من كفك في محاولة لقول شيء بسيط/ ويضاف إليك شيء من الخفوت”. تدرك زينة عازار أنها تعطي لنصوصها أبعاداً جمالية تجعلها تتفلت من حصار اللغة حين تقسو بمفردات تقلل من شعرية الشكل الفني التي تحدد حرية النص في سبك المعاني وإطلاق شرط المخيلة فيها، ولولا ذلك لبدت هذه المواجهات مع اللغة أقل حدة مما يجب. كم يبدو معذباً هذا الأرق اللغوي الذي تسير على هديه قصائد عازار، حتى في تشكيله الفني الجمالي المكثف يبدو المضمار الذي يحميه مؤلف من أصوات عدة، وكأن الخلاء هو مايجمع ولا يفرّق. بهذا المعنى تنحاز صاحبة (غيمة للتوازن) لذلك الانشطار الشبكي في الذات الذي تنتج عنه قراءة تأويلية لكل ما يدور في ثنايا النصوص: “كل ما يمكنني رؤيته بالنظرة المجردة، يحدث الآن في النقصان”. ثمة هنا ما يسبغ نعمة على التناغم بين كل تلك التفاصيل غير المرئية التي تحدثنا عنها، وبين الذات الشعرية “المحاربة” والعدم الذي تتسامى فيه، وكل تلك المخيّلة المدربة التي تقتنص كل ماهو شعري فيها.
(أجمع نفسي وحسب) لزينة عازار تضع القارئ أمام امتحان أو شرك. لا تهتم بتلك الأجزاء المروعة التي قد تنتج عن هذا التجميع الذاتي للصور وللأجزاء الخاصة بالجسد الإنساني الملتاع عن طريق مخيلة محتشدة بالمعاني، وفي نفس الوقت تقدم له إمكانات للانسجام مع هذه العمليات التي تشبه تبخر هذا الجسد من شقوق كامنة في الحياة ذاتها قبل أن “تتعطل” وتشي بكل ماهو مغاير لسيرورتها حين يُراد لها أن تكون حياة عادية، محض عادية غير محصنة وغير مسوّرة وغير أليفة عن طريق منح كل ماهو غير محسوس إمكانية أن يكون محسوساً حد التماهي فيه والتماسه حراً وطليقاً في قعر الذات التي تنشده.
من أجواء المجموعة:
لم يعد ينفع أي شيء
وحدك في الغرف المشبعة برائحة العتق،
قد يكون السبب
ستائرك المدلاة على الوقت
أو ببساطة القارب الورقي الذي مزقت
صفحة من أجله،
بالأحرى صفحات
ووضعت فيه كل بكائك وأخضر الطحالب،
أخذ مياه الدنيا كلها
على غفلة منك، وذهب،
مترنحاً كما في صورة
متداعية كالأبد.
