المشهد الفني في غوتنبرغ لا يُقرأ اليوم من خلال معرض واحد فقط، بل عبر شبكة كاملة من المساحات التي تتحاور مع بعضها: المتحف بوصفه ذاكرة، والأكاديمية بوصفها مختبراً، والمعارض المعاصرة بوصفها سؤالاً مفتوحاً على المستقبل. وفي هذا السياق، يقدّم معرض “الجسد: المثالية، النظرة، الحرية” المقام في متحف غوتنبرغ Göteborgs konstmuseum واحدة من أكثر التجارب البصرية والفكرية إثارة في المدينة، لأنه لا يتعامل مع الجسد كموضوع جمالي فحسب، بل كأرشيف ثقافي وسياسي ونفسي يعكس تحوّلات الإنسان عبر تاريخ الفن.
المعرض، الذي يضم قرابة مئة عمل فني من الرسم الكلاسيكي والنحت والفنون الغرافيكية وصولاً إلى التصوير الفوتوغرافي والفيديو والأداء، يحاول تتبّع الكيفية التي تغيّر بها معنى الجسد من عصر إلى آخر. هنا لا نشاهد أجساداً مرسومة فقط، بل نقرأ تاريخاً كاملاً من السلطة والرغبة والرقابة والتحرر. فالجسد في الفن لم يكن يوماً بريئاً، كان دائماً مساحة للصراع بين المثال والواقع، بين من ينظر ومن يُنظر إليه، وبين الحرية والهيمنة.
ينقسم المعرض فكرياً إلى ثلاثة محاور رئيسية: “المثالية”، “النظرة”، و”الحرية”. في القسم الأول، تعود الأعمال إلى الإرث الأكاديمي الأوروبي المتأثر بالنحت الإغريقي والروماني، حيث يبدو الجسد متناسقاً، هادئاً، ومصاغاً وفق نموذج جمالي صارم. أعمال فنانين مثل كارل لارسون و هانا باولي تعكس هذا التصوّر الذي تعامل مع الجسد بوصفه مثالاً للكمال والانسجام أكثر من كونه فرداً يحمل هشاشته الخاصة. لكن هذا “الجسد المثالي” يبدأ بالانهيار تدريجياً مع الانتقال إلى محور “النظرة”. هنا يتحوّل السؤال من “كيف يبدو الجسد؟” إلى “من يملك حق النظر إليه وتمثيله؟”. تظهر أجساد مشوّهة، قلقة، ومضطربة كما في أعمال Francis Bacon، حيث يصبح الجسد نفسه ساحة توتر نفسي وعنف داخلي. لم يعد الجسد موضوعاً جمالياً مريحاً، بل كياناً يقاوم النظرة، ويكشف هشاشة الإنسان المعاصر واغترابه.
أما القسم الثالث، “الحرية”، فينقل الزائر مباشرة إلى قلب الفن المعاصر، حيث يتحوّل الجسد إلى أداة تعبير ومقاومة وهوية. هنا تظهر أسماء مثل آنا ماندييتا، هانا وايلك و نيك ساف، حيث يصبح الجسد مرتبطاً بالمنفى، والذاكرة، والجندر، والهجرة، والسياسة، والتجربة الشخصية. لم يعد الجسد مجرد صورة معلّقة على الجدار، بل صار صوتاً وموقفاً وأحياناً احتجاجاً حيَّاً.
لكن القيمة الحقيقية لهذا المعرض لا تكمن فقط في الأعمال التي يضمها، بل في الطريقة التي يفتح بها حواراً مباشراً مع المشهد الفني المعاصر في غوتنبرغ، وخاصة مع مشاريع طلاب HDK-Valand. فمن يزور معارض التخرج في الأكاديمية سيلاحظ أن كثيراً من الفنانين الشباب يتحرّكون داخل الأسئلة نفسها: تفكيك مفهوم الجسد المثالي، إعادة توجيه “النظرة”، واستخدام الجسد كوسيلة للتعبير عن الهوية والقلق والذاكرة الشخصية.
هنا يبدو المتحف وكأنه “الأرشيف” الذي يشرح كيف فُهم الجسد عبر التاريخ، بينما تتحوّل فالاند إلى “مختبر” يعيد اختراع هذا الفهم باستخدام أدوات اليوم: الفيديو، الأداء، الوسائط الرقمية، والمواد غير التقليدية. ولذلك فإن زيارة المعرضين معاً تمنح الزائر تجربة فنية متكاملة، أحدهما يشرح الماضي، والآخر يختبر المستقبل.
ما يجعل هذه التجربة مهمة أيضاً هو أنها تعكس التحوّلات الكبرى التي يشهدها الفن العالمي اليوم. فالفن لم يعد معزولاً داخل إطار اللوحة التقليدية، بل أصبح مرتبطاً بأسئلة المجتمع والهوية والسياسة والتكنولوجيا. ومن هنا، تبدو غوتنبرغ مدينة تبني مشهدها الثقافي على هذا التوازن بين الذاكرة والتجريب: متحف يحافظ على تاريخ الفن، وأكاديمية تدفعه نحو مناطق جديدة وغير مريحة أحياناً.
في النهاية، لا يبدو معرض “الجسد: المثالية، النظرة، الحرية” مجرد استعراض بصري للأجساد في الفن، بل محاولة لفهم الإنسان نفسه: كيف رآه الفن، وكيف شوّهته السلطة، وكيف حاول أن يستعيد حريته عبر الصورة. وربما لهذا السبب يغادر الزائر المعرض بشعور أن الجسد ليس شيئاً نملكه بالكامل، بل تاريخ طويل من النظرات والأسئلة والمعارك الخفية التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

