الثلاثاء, 14 أبريل 2026

(جون بيرغر: فن الرؤية) للمخرجة الألمانية كورديليا دفوراك فيلم ينطلق من التقاطة فنية مدهشة، إذ تبدأ من فكرة إجراء عملية (الساد) الناضج في عيني الناقد الكبير، وهي تعني سحب المياه البيضاء منها، حتى يستعيد نظره بشكل جيد، وباعتبار أن ناقداً كبيراً ومصوراً ورسَّاماً لا يمكنه العمل بحرية من دون هاتين العينين، فإن أقل ما يقال عن هذا (الساد) إنه جاء بمثابة شرارة الإلهام التي دفعت لتصوير فيلم وثائقي من هذه الزاوية، كما دفعت بالناقد بيرغر لتأليف كتاب مشترك عنه مع صديقه رسام الكاريكاتير التركي سيلتشوك ديميريل، وفيه إطلالة فريدة على عالم بيرغر الفوتوغرافي الحافل بالصور والرسوم.

المتنسك في جبال الألب

تعبر عشر شخصيات تباعاً من أمام عدسة كورديليا دفوراك: أصدقاء متمكنون من “مقايضة” تجربة الناقد والروائي والرسَّام ب”اقتصاد الموت” الذي يحبو في بعض النصوص الأدبية حين يقرأها أمام الكاميرا، وهي تستطلع تلك الإمكانات المدهشة التي سمحت لجون بيرغر بأن يخلع نجومية وصخب الأروقة الإعلامية ويعيش زاهداً في جبال الألب الفرنسية، في بيت جبلي صغير منعزل يحاكي فيه حياة المزارعين، وينحاز إلى بساطتها، ويقود دراجته النارية في الوديان، وهو مرتاح الضمير، ويكاد “يُفشل عبثية العالم”، أو يتلاشى في أفعال الكتابة، وهو يغرق في رسم وردة فيما تترك المخرجة لصوته من خارج الكادر أن يقرأ نصاً شعرياً مترافقاً معها. تكاد حواراته مع ابنته كاتيا وهي ناقدة سينمائية معروفة عن كورفاجيو ورامبرندت تشكل خيطاً “رؤيويا” متمرداً ومختلفاً عن حضور الآخرين في الفيلم، مثل المخرج المسرحي البريطاني سيمون ماكبرني، والمصوّر السويسري جان موهر، والناشر الألماني هانز يورغن بالمز، والمخرج السينمائي مايكل ديب، وبالطبع ابنه الرسام ايف.

علاقة كارثية

لا يمكن فصل حضور جون بيرغر عن عطاءاته المتنوّعة في الأدب والسياسة والفن وعن تكثيف تلك اللحظات في تصوير الكون سواء في لوحة أو في امتداد طبيعي لنص غارق في لغة خاصة به. وإيمان بيرغر بالرسم كمنطلق في إعادة توظيف فن الرؤية يكشف عن تلك الرغبة الغامضة بالاشتغال على مفردات الطبيعة وجوهرها الحيّْ، لهذا قد لايختلف اثنان حول تلك الالتقاطة المدهشة التي ميَّزت عمل المخرجة دفوراك، حتى في استضافتها لشخصيات تتصل بشكل أو بآخر بهذا الفن، ولا تنفصل عنه إلا بحدود إدراك الآليات التي ينطلق منها إلى عالمه الرحب. كل كتابات جون بيرغر عن المنفى واللاجئين واختفاء الفلاحين وتنقلات البشر بين المدن كمهاجرين ونقده للفن الماركسي لم تسع إليها المخرجة في فيلمها (55 دقيقة) ، فهي موجودة في أفلام كثيرة أعدَّتها (بي بي سي) عبر سنوات عن محطات مختلفة في حياته المديدة والمميزة بثراء كبير، حتى أن كورديليا دفوراك تلجأ في مقاطع مصوَّرة كثيرة منها لتوضيح فكرتها عن فن الرؤية عند جون بيرغر وبخاصة تلك العلاقة الكارثية التي قد تنشأ بين الفن والممتلكات في حالة الانتقال السلمي أو الإجباري من مكان إلى مكان. ليس انقطاعه عن مسقط رأسه (الإنكليزي) وعيشه بعيداً عنه في جبال الألب الفرنسية حوالي أربعة عقود إلا لوحة كبيرة تبدو “نخبوية” في أرض تتوَّسع بالمقارنة مع كل الصور التي يفردها أمامنا، والإنسان ليس أمامه سوى التورط بالنظر إليها.

اترك تعليقاً

Exit mobile version