الثلاثاء, 17 مارس 2026

في مجموعته الشعرية الجديدة الألم على محمل الجدالصادرة عن دار لاماسو في السويد في العام الماضي، يشرع الشاعر العراقي فاروق فائق عمر في بناء جسرٍ رمزي بين وجع الذات وانكسارات الوطن. القصائد التي تبدأ من ملمس الحجرلتنتهي عند أطلال كركوك، ليست مجرد رثاء لحمولات الماضي، بل هي محاولة واعية لترميم الذاكرة المثقوبة المثخنة بالحروب وهجرة المنافي.

الحجر أطول عمراً من الإنسان

يفتتح الشاعر ماديته الشعرية بتأمل فلسفي عميق وعارم في قصيدة حجر، حيث يضع القارئ المتأمل أمام حقيقة الفناء البشري مقارنة بخلود المادة. الحجر الذي يحمله الشاعر بيده يختزل ملايين السنين، بينما يظل الإنسان كائناً عابراً لا يعمر مثله“. هذا الاستهلال يمهد الطريق أمام فهم رؤية الشاعر للزمن، فهو يرى في الحجر عمراً مديداًيستمر فينا ونحيا فيه حتى بعد الرحيل.

جغرافيا الوجع والقلعة الشامخة

تنتقل القصائد بتتابعٍ سلس من الفلسفة إلى الجغرافيا، حيث تحضر مدينة كركوككمركز روحي ومكاني لا يغيب عن ذهن الشاعر. الشاعر هنا لا يكتب عن المدينة من بعيد، بل ينبش ذاكرته في أسواق القوريةوالسوق الكبيروأمام المدافع البرونزية في القشلة“.

لا يفوت الشاعر أن يستحضر النهر الذي جفَّ تماماً، ليجعله رمزاً لانتفاضة الطبيعة والذاكرة في آن واحد. وإذ تظل القلعة هي الشاهد الصامد، حيث تشرق الشمس من خلف أطلالها لتضيء “المدينة المنهوبة” وتعلن عن يوم جديد من “الألم والسقم”، تظهر للمفارقة الهزيمة كفعل مقاومة لايمكن حسرها باللغة وحدها. فتحت عنوان “هزيمة”، يطرح الشاعر مفارقة لافتة، فالهزيمة لديه ليست استسلاماً بل هي “علاقات صداقة محكمة من الحب الصاعد من أعماق التاريخ”. يدعو الشاعر إلى أخذ الهزيمة “على محمل الجد”، مطالباً بنحرها “من الوريد إلى الوريد” لاستعادة الأمل الذي ينمو كالأغصان في الأرواح.

تاج الخلود السومري

وفي لحظة اعتراف وطنية حارّة، يهدي الشاعر قصيدة لـ تركمانيا العراق، واصفاً إياها بـ بلاد الضوء والنور والحكمة“. يربط الشاعر هنا بين الهوية التركمانية والإرث الرافديني القديم، مستحضراً رموزاً مثل نسيميوفضولي، ومؤكداً أن تاج الخلودمنقوش في الأوابد السومرية ولا يمكن للعواصف العاتية أن تزيحه.

الألم كحالة وعي

تنتهي رحلة فاروق فائق عمر الشعرية كما بدأت. التزام مطلق بالألم كحالة وعي. إنه لا يتراجع عن البحث عن حقيقة الأشياءحتى لو كان الطريق ملطخاً بالدم أو غاصَّاً بالأشلاء. “الألم على محمل الجدهي صرخة إنسان يرفض لعنات النسيان وأحكامه، ويصر على أن يظل وطنه الذي يتنقل به في المنافي البعيدة خالد الذكركما الحجر في أفعال الأبد!


اترك تعليقاً

Exit mobile version