في مجموعته الشعرية الجديدة “الألم على محمل الجد” الصادرة عن دار لاماسو في السويد في العام الماضي، يشرع الشاعر العراقي فاروق فائق عمر في بناء جسرٍ رمزي بين وجع الذات وانكسارات الوطن. القصائد التي تبدأ من ملمس “الحجر” لتنتهي عند “أطلال كركوك“، ليست مجرد رثاء لحمولات الماضي، بل هي محاولة واعية لترميم الذاكرة المثقوبة المثخنة بالحروب وهجرة المنافي.
الحجر أطول عمراً من الإنسان
يفتتح الشاعر ماديته الشعرية بتأمل فلسفي عميق وعارم في قصيدة “حجر“، حيث يضع القارئ المتأمل أمام حقيقة الفناء البشري مقارنة بخلود المادة. الحجر الذي يحمله الشاعر بيده يختزل ملايين السنين، بينما يظل الإنسان كائناً عابراً “لا يعمر مثله“. هذا الاستهلال يمهد الطريق أمام فهم رؤية الشاعر للزمن، فهو يرى في الحجر “عمراً مديداً” يستمر فينا ونحيا فيه حتى بعد الرحيل.
جغرافيا الوجع والقلعة الشامخة
تنتقل القصائد بتتابعٍ سلس من الفلسفة إلى الجغرافيا، حيث تحضر مدينة “كركوك” كمركز روحي ومكاني لا يغيب عن ذهن الشاعر. الشاعر هنا لا يكتب عن المدينة من بعيد، بل ينبش ذاكرته في أسواق “القورية” و“السوق الكبير” وأمام المدافع البرونزية في “القشلة“.
لا يفوت الشاعر أن يستحضر النهر الذي جفَّ تماماً، ليجعله رمزاً لانتفاضة الطبيعة والذاكرة في آن واحد. وإذ تظل القلعة هي الشاهد الصامد، حيث تشرق الشمس من خلف أطلالها لتضيء “المدينة المنهوبة” وتعلن عن يوم جديد من “الألم والسقم”، تظهر للمفارقة الهزيمة كفعل مقاومة لايمكن حسرها باللغة وحدها. فتحت عنوان “هزيمة”، يطرح الشاعر مفارقة لافتة، فالهزيمة لديه ليست استسلاماً بل هي “علاقات صداقة محكمة من الحب الصاعد من أعماق التاريخ”. يدعو الشاعر إلى أخذ الهزيمة “على محمل الجد”، مطالباً بنحرها “من الوريد إلى الوريد” لاستعادة الأمل الذي ينمو كالأغصان في الأرواح.
تاج الخلود السومري
وفي لحظة اعتراف وطنية حارّة، يهدي الشاعر قصيدة لـ “تركمانيا العراق“، واصفاً إياها بـ “بلاد الضوء والنور والحكمة“. يربط الشاعر هنا بين الهوية التركمانية والإرث الرافديني القديم، مستحضراً رموزاً مثل “نسيمي” و“فضولي“، ومؤكداً أن “تاج الخلود” منقوش في الأوابد السومرية ولا يمكن للعواصف العاتية أن تزيحه.
الألم كحالة وعي
تنتهي رحلة فاروق فائق عمر الشعرية كما بدأت. التزام مطلق بالألم كحالة وعي. إنه لا يتراجع عن البحث عن “حقيقة الأشياء” حتى لو كان الطريق ملطخاً بالدم أو غاصَّاً بالأشلاء. “الألم على محمل الجد” هي صرخة إنسان يرفض لعنات النسيان وأحكامه، ويصر على أن يظل وطنه الذي يتنقل به في المنافي البعيدة “خالد الذكر” كما الحجر في أفعال الأبد!
