ليست كل المدن تُقتل بالحروب. بعض المدن يُكتب موتها بهدوء شديد، على طاولة مهندس يحمل مسطرة، أو في مكتب استثماري بارد يرى المكان أرقاماً لا ذاكرة، وأرضاً لا روحاً. هناك مدن يسقط جزء من تاريخها حين يسقط حجر واحد من جدار قديم، ومدن أخرى تستطيع أن تتغيّر دون أن تخسر نفسها. أما دمشق، هذه المدينة التي عبرت آلاف السنين وظلَّت واقفة في وجه الإمبراطوريات والزلازل والغزاة، فهي من النوع الذي يكفي أن يُنتزع منه جزء صغير حتى يبدأ التصدع في روحه كلها، ولعلَّ المأساة الكبرى أن دمشق لم تبدأ خسارة وجهها اليوم. القصة أقدم من الأبراج الزجاجية التي يريد البعض زرعها فوق محطاتها التاريخية. القصة بدأت يوم دخل إلى المدينة رجل اسمه ميشيل إيكوشار، ذلك المعماري الفرنسي الذي وصل إلى دمشق حاملاً معه واحدة من أكثر الأفكار العمرانية قسوة في القرن العشرين. الفكرة التي بشّر بها معلمه الروحي، المعماري الشهير لو كوربوزييه، والتي كانت ترى أن المدينة ليست كائناً حياً، وليست ذاكرة حضارية تتراكم عضوياً عبر الزمن، بل مجرد آلة. آلة يجب أن تعمل بكفاءة. آلة يجب أن تُخضع للخطوط المستقيمة. آلة يجب أن تُفتح شرايينها الواسعة لتخدم السيارات، لا البشر.
إيكوشار لم ينظر إلى دمشق كما ينظر العاشق إلى مدينة فريدة ولدت عبر آلاف السنين، بل نظر إليها كما ينظر الجرّاح إلى جسد يحتاج إلى إعادة تشريح كاملة. كانت الأزقة القديمة بالنسبة له مشكلة. الأسواق التاريخية عقبة. النسيج العضوي للمدينة التقليدية فوضى ينبغي ترتيبها، وهكذا بدأت الجريمة الأولى. شقوق إسمنتية ضخمة اخترقت جسد المدينة القديمة. أحياء تاريخية أُزيلت بلا رحمة. أجزاء واسعة من سوق ساروجا، التي كان الدمشقيون يطلقون عليها يوماً اسم “برلين الصغرى”، جرى اقتلاعها كما تُقتلع صفحات من كتاب نادر لا يمكن طباعته من جديد.
كان ذلك أشبه بعملية جراحية بلا تخدير. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف دمشق عن النزف. لكن أكثر الجروح إيلاماً لم يكن في الأسواق القديمة وحدها. لقد وصل المبضع لاحقاً إلى قلب آخر من قلوب المدينة؛ إلى المكان الذي كانت دمشق تتنفس منه بهدوء مختلف… محطة الحجاز.
يكفي أن يقف المرء أمام هذا المبنى حتى يشعر أن المكان ليس مجرد محطة قطارات خرجت من الخدمة. الواجهة الحجرية، الأقواس، الساعة القديمة، التفاصيل المعمارية التي تشبه “قصيدة” عثمانية متأخرة، كلها تقول إن هذا المبنى لم يكن يوماً بنية تحتية عادية. محطة الحجاز كانت ذاكرة. كانت الزمن حين يتحرك فوق سكّتين. كانت دمشق وهي تمد يدها إلى الجبل.
كان القطار الخارج منها نحو الزبداني يبدو كخيط حريري يربط المدينة ببساتينها البعيدة، يحمل العائلات، الضجيج الجميل، الرحلات الصيفية، أو السيران الدمشقي بلغة أدق، أحلام الناس الصغيرة، ويمنح المدينة ذلك الإيقاع الهادئ الذي كانت تعرفه قبل أن تصبح أسيرة الفوضى الإسمنتية. لكن اليد نفسها التي بدأت مع إيكوشار قبل عقود عادت لتكمل المهمة. اقتُلعت السكك الحديدية. هُدمت المباني التاريخية المحيطة. اختفى السبيل الدمشقي المزخرف بالقاشاني.
المدن الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بعدد الأبراج وناطحات السحاب اللئيمة. أصبحت تبحث عن المساحات الخضراء. عن النقل السككي. عن العمارة الأفقية
وحُفرت الأرض كما لو أن أحداً لا يريد إزالة الحديد فقط، بل يريد اقتلاع الذاكرة ذاتها من جذورها. ثم جاءت الفكرة التي تكشف حجم الكارثة الفكرية التي نعيشها. الأبراج. كأن التاريخ كله لا يعني شيئاً. كأن أفضل ما يمكن أن يحدث لمدينة عمرها آلاف السنين هو أن تُحبس فجأة داخل قفص زجاجي عملاق، أن تتحوّل دمشق إلى نسخة مشوهة من مدن مالية بلا ذاكرة، بلا رائحة، بلا ياسمين، بلا خصوصية، بلا روح. والأكثر إثارة للأسى أن هذا المنطق نفسه يقترب اليوم من البرامكة. كأن ما تبقى من المدينة القديمة ما زال كثيراً، ويحتاج إلى مزيد من الاقتلاع.
الغريب أن العالم كله بدأ يتراجع عن هذه الفلسفة التي جاء بها إيكوشار قبل عقود. أوروبا نفسها، التي صدّرت إلينا عبادة الخرسانة والمدينة الوظيفية، عادت لتعيد الاعتبار للإنسان. المدن الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بعدد الأبراج وناطحات السحاب اللئيمة. أصبحت تبحث عن المساحات الخضراء. عن النقل السككي. عن العمارة الأفقية. عن إعادة الحياة إلى المراكز التاريخية. عن تقليل هيمنة السيارات التي كانت يوماً عقيدة التخطيط الحديثة. بينما نحن، على نحو عبثي مذهل، نصرّ على تكرار أخطاء لفظها العالم منذ نصف قرن.
نقتل القطار… كي نبني البرج. لكن القضية ليست مشروعاً عمرانياً فحسب. القضية أن دمشق تخوض معركة أخيرة للدفاع عن نفسها. فالمدينة التي تفقد ذاكرتها المعمارية لا تخسر بعض الأبنية القديمة فقط. إنها تخسر شخصيتها.
تفقد صوتها الداخلي. تفقد ذلك الإحساس الغامض الذي يجعلها مختلفة عن سائر مدن العالم. اقتلاع السكك الحديدية من قلب دمشق ليس إزالة بنية تحتية. إنه اقتلاع لجزء من الذاكرة الجماعية. وبناء الأبراج فوق محطاتها القديمة ليس استثماراً. إنه إعلان صريح بأن التاريخ لم يعد مهماً.
ويا لمرارة المشهد… أن المدينة التي نجت من الغزاة، من الحرائق، من الاحتلالات، من الحروب الكبرى، وفخاخ الاستبداد المتحوّلة تصل اليوم إلى لحظة تضطر فيها للدفاع عن نفسها أمام الإسمنت. دمشق لا تحتاج أبراجاً جديدة. دمشق تحتاج أن تتنفس. تحتاج أن تستعيد قطاراتها. أن يعود الحديد إلى سكّته القديمة بدل أن يتحوَّل إلى ندبة مفتوحة في جسد المدينة. تحتاج أن تبقى دمشق بأقانيمها الثلاثة كما بقيت وصمدت عبر التاريخ. لأن بعض المدن، حين تفقد ذاكرتها… لا تموت دفعة واحدة، بل تبقى واقفة، كجسد جميل أفرّغ من روحه على دفعات وبالتقسيط المدمر غير المريح!.
من هو ميشيل ايكوشار؟!.
ميشيل إيكوشار هو الاسم الذي ارتبط بأول محاولة كبرى لإعادة تشكيل دمشق ضد طبيعتها. مهندس فرنسي حمل إلى الشرق أفكار الحداثة الأوروبية الباردة، وتعامل مع المدينة كما لو أنها مساحة فارغة تنتظر الجرَّافة. لم يرَ في أزقتها القديمة روحاً اجتماعية متراكمة، ولا في أسواقها ذاكرة حضارية، بل رأى فوضى ينبغي اقتلاعها باسم التنظيم، و تحت تأثير فلسفة “المدينة الآلة” التي صاغها لو كوربوزييه، ساهم إيكوشار في فتح واحدة من أعمق الندوب في جسد دمشق، حين اخترقت مخططاته النسيج التاريخي للمدينة، وبدأ معها عصر طويل من التصادم بين روح دمشق العضوية وبين الإسمنت الذي لم يفهم يوماً كيف تُبنى المدن التي ولدت من التاريخ لا من الخرائط.
